سمير مرقص
(1) الأخ الأكبر: المراقب العالمي المسيطر… الهؤلاء…
تنبَّه الأدب العالمي مبكراً، إلى المعاناة التي يتعرَّض لها المواطنون.. من جرَّاء نظم وآليات المراقبة، التي فرضتها الرأسمالية الاحتكارية.. في تجلياتها النازية والفاشية والليبرالية، والاشتراكية الستالينية على السواء، على المواطنين. ويأتي في مقدمة الأعمال التي تناولت مدى ما تُحدثه تلك المراقبة على مواطني القرن العشرين، ما أبدعه «جورج أورويل» في روايته «1984»، وقبلها «ألدوس هكسلي» في «عالم جديد شجاع» (1932)؛ ففي هذين العملين الخالدين لفتا النظر إلى ما أطلق عليه أورويل.. «الأخ الكبير» ليس كشخص؛ بل كتجسيد لأي سلطة.. تجسد الرقابة الدائمة، واختراق الخصوصية. كذلك ما سماه هكسلي.. المراقب العالمي المسيطر World Controller.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن الأدب العربي.. كان له نصيب أيضاً في التعبير عن مآسي المراقبة في حياة الإنسان العربي. ولعل رواية «الهؤلاء» (1973) للأديب الراحل البديع «مجيد طوبيا»، تجسد مدى قسوة المراقبة الشاملة ـ من الهؤلاء ـ لأدق تفاصيل الحياة اليومية للإنسان.
وإذا كانت الأعمال المذكورة تعكس الرقابة السلطوية، فهناك إبداعات أدبية.. لفتت النظر إلى السطوة التي تفرضها الثقافة المجتمعية، وتمارس – من خلالها – نوعاً من السلطة القسرية على المجتمع، لفرض الاستهلاك والترفيه على المواطنين.. بدلاً من العلم والمعرفة؛ وهو ما جسَّدته رواية «451 فهرنهايت».. التي تجري أحداثها في إحدى المدن الأمريكية (كتبت سنة 1953، وتم إنتاج فيلم مأخوذ عن الرواية سنة 2018).
وقد كان للفلسفة إبداعها.. في تفسيرات مدرسة فرانكفورت الفلسفية، التي كشفت كيف أن الرأسمالية والتكنولوجيا والأحداث.. قد ساهمت في «تشيؤ» الإنسان. كما جاءت مساهمة الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو»، ليتحدث بإسهاب عن المراقبة، والسلطة التي تفرضها مؤسسات المجتمع المختلفة في المجتمع الحديث.. في المدارس والمشافي والمصانع.
(2) المراقبة من السلطة السياسية إلى الشركة الرقمية.
ظل الأدب يتابع اهتمامه بإشكالية المراقبة، وتأتي رواية «الدائرة» (2013)، «لديف إيجرز».. لتنبهنا إلى كارثية المراقبة في الزمن الرقمي، من خلال ما تفرضه شركات التكنولوجيا الرقمية الكبرى. فالرواية تتساءل: ماذا يحدث.. عندما تصبح الخصوصية مخترقة، من خلال التقنيات الرقمية المتنوعة.. دائمة التجدد. وكيف أن الشركة الرقمية – أو الدائرة مسرح الأحداث – تمارس نوعاً من الهيمنة على العاملين فيها.. عبر البيانات والرقميات والمعلومات التدفقية في المجال الرقمي.
ويعتبر كثير من المفكرين والنقاد، أن عمل الدائرة قد وجَّه النظر إلى امتداد ممارسة الرقابة.. من السلطة السياسية بتجلييها «الهكسيلي» و«الأورويلي»، إلى «الشركة». كما تجسدت في رواية الدائرة مواكبة التحولات – التي جرت في عالم اليوم – بفعل الطفرة الرقمية. في هذا السياق، أبدعت عالمة الاجتماع الأمريكية «شوشانا زوبوف».. خريجة هارفارد في مجلدها المرجعي الكبير: «عصر رأسمالية المراقبة: النضال من أجل مستقبل إنساني على الحدود الجديدة للسلطة» The Age of Surveillance Capitalism: The Fight For A Human Future At The New Frontier Of Power (النسخة الرقمية 2019 وتقع في 768 صفحة، وقد ترجمه متيم الضايع إلى العربية، وصدر عن دار (صفحة 7) في 2025)؛ يعتبر الكثيرون هذا العمل الضخم مرجعاً نظرياً تأصيلياً/ تأسيسياً لفهم ما بات يُعرف بـ«الرأسمالية الرقمية» وما أحدثته من تحولات مجتمعية في حياة البشرية، وذلك من خلال احتكارها للمعلومات والبيانات باتت قادرة على تشكيل أفكار وتوجهات وسلوكيات الإنسان/ المواطن في هذا العصر.. كيف؟
(3) رأسمالية المراقبة: الشركات الرقمية الاحتكارية والسيطرة على الإنسان.
تبلور «شوشانا زوبوف» أطروحتها في ثماني عبارات؛ واصفة ومحللة.. رأسمالية المراقبة كما يلي؛ أولاً: نظام جديد، يدعي أن التجربة الإنسانية أشبه بمادة خام، متاحة لممارسات تجارية، تتعلق باستخلاص المعلومات والتنبؤ بها وبيعها. ثانياً: منطق اقتصادي طفيلي، يخضع فيه إنتاج السلع، وأداء الخدمات.. لهندسة عالمية جديدة لتعديل السلوك. ثالثاً: طفرة رأسمالية مشوهة rouge mutation، تتسم بالتركيز على الثروة والمعرفة والسلطة. رابعاً: الإطار التأسيسي لاقتصاد المراقبة. خامساً: تشكل تهديداً خطيراً للطبيعة البشرية.. في القرن الحادي والعشرين، مثلما شكلت الرأسمالية الصناعية تهديداً خطيراً للعالم الطبيعي.. في القرنين التاسع عشر والعشرين. سادساً: هي أصل سلطة أدواتية جديدة، تؤكد هيمنتها على المجتمع. وتطرح تحديات مذهلة أمام ديمقراطية السوق. سابعاً: حركة تهدف إلى فرض impose نظام جمعي جديد، قائم على اليقين المطلق. ثامناً: مصادرة حقوق الإنسان الأساسية.. التي يمكن فهمها بأفضل شكل ممكن.. باعتبارها انقلاباً على الشعب؛ إطاحة بسيادة الشعب.
وعلى مدى ثمانية عشر فصلاً.. موزعة على ثلاثة أجزاء، تتناول: أسس رأسمالية المراقبة، وتطورها، وتمكنها من أن تكون القوة الآلية للحداثة الثالثة. تخلص «زوبوف» إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انتهاك الخصوصية، بل في نشوء شكل جديد من السلطة تسميه «السلطة الأداتية» Instrumentarian Power؛ حيث تُستخدم الخوارزميات – بنعومة – لتوجيه السلوك الإنساني، دون إكراه مباشر، أو موافقة واعية من الأفراد. ووفقاً لها، فإن هذا النمط من الرأسمالية.. يهدد الاستقلال الذاتي للأفراد والديمقراطية في الصميم.
يكشف تحليل المؤلفة عن دينامية استغلال البيانات.. في توجيه السلوك الإنساني، ومن ثم السيطرة عليه؛ فيما يشبه استغلال العمل في عصر الرأسمالية الصناعية. يتجاوز هذا العمل الأبعاد الأخلاقية والدينية والفكرية المحافظة.. حول انتهاك الخصوصية والانفلات القيمي، إلى تشريح آليات إنتاج الثروة والقوة.. عبر الرأسمالية الرقمية، التي تستخدم وسائل الإنتاج كوسائل لتعديل السلوك، ومن ثم تشكيل ما يمكن أن نطلق عليه «المواطن الخوارزمي»، الذي يُدمج قسراً في المنظومة الرقمية.. كي يصبح مرئياً دوماً، وقابلاً للقياس في كل الأوقات، ومن ثم تنتقل السلطة من البنى السلطوية المختلفة.. إلى المنصة الرقمية التي تديرها الشركات الاحتكارية الرقمية.. ذات رأس المال التريليوني. أي أصبح «الأخ الكبير» هو السلطة الرأسمالية الخوارزمية.. التي تملكها قلة/ أوليجاركية رقمية/ ديجيتالية.
نقلاً عن «المصري اليوم»