Times of Egypt

الإنسان في قفص حديقة الحيوان: هل انتهت العنصرية؟ 

M.Adam
محمد أبو الغار 

محمد أبو الغار

أهدتني حفيدتي ندا الكاتب.. كتاباً رائعاً بالإنجليزية بعنوان «مصر بالفوتوغرافيا». الناشر «لينزت ولاندروك».. بمقدمة من ياسر علوان. 

أقيم في لندن في الهايد بارك.. أول معرض عالمي عام 1851، وذلك في قصر زجاجي، مبني بمليون قدم مربع من الكريستال. العارضون كانوا 13 ألفاً، وقرر الإنجليز دعوة بعض البلاد المتخلفة للمشلركة فيه. المعرض كانت به آخر طفرة في الصناعة والأجهزة، وكان الجناح المصري يضم الملابس ومختلف المحاصيل. وقد زار المعرض ستة ملايين. 

وتلت ذلك معارض في أوروبا – من 1851 حتى 1930 – عرضت أحدث الإنتاج العلمي والحربي، وشُيدت مبانٍ تاريخية لهذه المعارض، مثل متحف فيكتوريا وألبرت، واستاد ويمبلي في لندن، وبرج إيفل في باريس، وحضر معرض فيلادلفيا عام 1876 حوالي 10 ملايين أمريكي، وهو ما يعادل 10% من سكان أمريكا في ذلك الوقت. ونظم الجناح المصري في هذا المعرض مدير مدرسة المصريات.. الألماني بروجش. وفي باريس عرض نفس الجناح عام 1878، وحضره 13 مليون شخص، وفي معرض لندن بدأ توماس كوك.. تنظيم رحلات إلى مصر، واشتركت مصر في جميع المعارض العالمية بعد ذلك.

قال بروفيسور تايلور – رئيس المجلس العالمي للمستشرقين – إنه شيء محير.. أن بضعة آلاف من الإنجليز، يحكمون ملايين من البشر في الهند وأفريقيا وأمريكا وأستراليا. وبعد الاحتلال البريطاني لمصر، رفض اللورد كرومر اشتراك مصر في المعارض العالمية.. توفيراً للنفقات، ولتسهيل دفع ديون مصر من عصر إسماعيل.

وفي عام 1889 أقيم معرض في باريس بمناسبة افتتاح برج إيفل. وقرر بارون فرنسي يقيم في مصر.. أن تشترك مصر في المعرض وتكفَّل بالمصاريف، وقرَّر إقامة جناح سمَّاه «شارع القاهرة»، وأصبح أكثر الأجنحة شعبية، وجذب إيرادات ضخمة له، وكان المدخل على هيئة مسجد وبُنيت عليه مئذنة.. مشابهة لمئذنة قايتباي. وأحد المتاجر في الجناح كان يبيع عطور خان الخليلي، وبه قرية نوبية بها 400 نوبي. وكان الجناح مماثلاً في التصميم لشارع في القاهرة القديمة.

وأقيم الشارع المصري في معرض شيكاجو عام 1893، وقام جورج بنجالوا – الممول للجناح المصري في شيكاجو – بإحضار 250 مصرياً؛ منهم راقصات شرقيات، وبعض السحرة الذين يُخرجون الثعابين، والسقائين الذين يحملون قرب الماء، وقارئي البخت، وأطفال يركبون الحمير، وشيوخ؛ حتى يزدحم شارع مصر، ويعطي إيحاءً حقيقياً بالقاهرة. ووضع خارج شارع القاهرة الإسلامية.. بوابة فرعونية ضخمة من ناحية، ومسلة مصرية قديمة من ناحية أخرى. وبنى واجهات منازل بالمشربية، و60 محلاً للبيع؛ منها استوديو تصوير للمصور المصري الأرمني الشهير ليكجيان. كان يمكن للجمهور مشاهدة فرح مصري، أو مشاهدة مصريين أثناء الصلاة. وفي الشارع المصري أيضا، كان مجسماً ضخماً لمعبد الأقصر. قام توماس كوك بتمويل مجسم لمعبد إدفو، وكان الجناح المصري أكثر الأجنحة جاذبية، ودفع رسم دخوله 2.25 مليون زائر، لأن التصميم كان عظيماً، وإغراء السفر إلى مصر كان كبيراً.

واتخذ العرض منحى عنصرياً.. في معرض مارسيليا 1856 و1922، وباريس 1907 و1930، حين تم عرض آدميين نصف عرايا.. داخل أقفاص، من الصومال ولابلاند والنوبة والفلبين وبعض الجنسيات الأخرى، وكان ذلك مظهراً من مظاهر الاستعمار العنصري، وقسوته على السكان المحليين. وأقيمت أول دورة أوليمبية حديثة في سانت لويس بأمريكا عام 1904، ومن ضمن العرض.. كانت مشاهدة الفلبينيين البدائيين كفرجة، وكانت أمريكا قد غزت الفلبين عام 1899. وتم عرض مواطنين من غينيا الجديدة وأفريقيا.. في أقفاص في حديقة الحيوان.

وتاريخ عرض إنسان للجمهور.. مقابل تذاكر، بدأ في عام 1836، عندما عرض ميرك بارنوم سيدة عجوزاً من العبيد عمياء.. مدعياً أن عمرها 160 عاماً، وقال إنها ممرضة جورج واشنطن، وعرض سيدة سوداء.. انتفخت شفتاها صناعياً بالحقن، بجوار بنات بيضاوات لهن جاذبية، وتم تصويرهن، وبيع الصور. وفي عام 1853، عرض من يقول إنه من جزر فيجي، وهو من آكلي لحوم البشر.

حدائق الحيوان – التي يوضع فيها الإنسان في الأقفاص – كانت منتشرة من عام 1870 في أمريكا، ووُجدت في أوروبا.. ولكن لمدة قصيرة، وحضر العرض الأمريكي أكثر من مليون مواطن. وأقيمت في باريس عام 1877، وحضر مليون زائر، وشجعت جمعيات الأنثروبولوجيا الغربية هذه العروض.. بأنها لأغراض علمية.

ويقول المؤلف: تخيل نفسك، أيها القارئ.. في أحد هذه الأقفاص. فمن ناحية، بدأ المجتمع التقدم العلمي والصناعي، وفي نفس الوقت.. التأخر الإنساني. والغريب أن هذه المعارض كانت ممتعة للجمهور. وهناك صور لبسطاء من الكونغو.. مع أعضاء مجلس العموم البريطاني عام 190. ونشر الشاعر اليوناني السكندري الكبير قصيدته.. «في انتظار البرابرة».. عن هذا الحدث.

والسؤال: كيف كان الناس يطيقون هذه الأفعال، وهناك كم من الأبحاث العلمية والفلسفية.. التي اعتبرت وجود حديقة حيوان للإنسان أمراً طبيعياً؟ ولماذا لم يسمع معظمنا عن هذه الأفعال، وعن هذا التاريخ المخجل للدول الغربية؟ 

السبب أن من قاموا، بها هم الذين استطاعوا أن يخفوها وتصبح منسية – كأن لم تحدث – والاعتقاد بتفوُّق الجنس الأبيض، وجد في نظرية داروين تفسيراً مقنعاً له.. بالرغم من خطأ التفسير.

علم الأنثروبولوجي القديم، حاول أن يثبت أن العرق.. هو الذي يحدد الذكاء والثقافة والابتكار والأخلاق الرفيعة، وأن العنصرية أمر طبيعي، وأن الإنسان البدائي.. هو إنسان متخلف ولن يتقدم، وكان من بين من قال هذا.. باحثون وعلماء، وهو نفس الفكر.. الذي قام بتبرير الاستعمار. الأفواج السياحية إلى أفريقيا في القرن التاسع عشر – والشرق عموماً – كانت كلها مبنية على نفس الفكرة. وكان تأثير الصور الفوتوغرافية كبيراً.. في ترسيخ هذا الفكر العنصري. وكان الشكل الخارجي للإنسان، هو الذي يحدد مدى ذكائه وقدرته على الفهم، وأخلاقه وشخصيته. وبناء على ذلك، بدأت دراسات لقياس أشياء معينة في الإنسان، مثل الرأس وغيره، وبناء عليه تحدد مستوى فهم هذا الإنسان ومكانته.

كان الإنسان يقف على مسافة معينة، وفي وضع معين.. من الكاميرا، حتى يمكن معرفة عِرقه ومستواه كإنسان. وبالتالي اعتبر نهب ثروات البلاد المتخلفة أمراً طبيعياً ومحموداً.

إذن، العنصرية، ونظرة الغرب الواضحة.. لقرون طويلة، التي لها مفكروها وعلماؤها.. اختفت ظاهرياً، ولكنها لم تندثر. هي تظهر في ظروف معينة بوضوح. وعدا ذلك، يغلفها الإنسان العنصري بغلاف من السيلوفان، حتى لا تكون واضحة، ولكنها تظل كامنة، وموجودة.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة