محمد أبوالغار
حدثٌ خطير في تاريخ مصر الحديث.. تكاتفت فيه أفكار إسماعيل صدقي رئيس الوزراء، مع ترحيب الملك فؤاد، وموافقة ضمنية غير معلنة من الإنجليز؛ كان هو إلغاء دستور 1923، الذي أعطى حقوقاً وحريات للشعب المصري. تبعه إصدار دستور 1930.. الذي وضع قيوداً شديدة على الحريات، ودمر مكتسبات ثورة 1919.
دستور 1923.. كان به عيب أساسي، وهو إعطاء الحق للملك بحل البرلمان، واستخدمه الملك فؤاد أسوأ استخدام.. في منع الأغلبية الوفدية من تحقيق مطالب الشعب المصري، وهو الحق الذي اكتسبه الملك فؤاد بعد حرب شعواء.. أثناء كتابة الدستور، بعد أن فشل في إلغاء المواد الخاصة بالحريات والانتخابات.
نجح الوفد في اكتساح في الانتخابات عام 1923، وفي يناير 1924، ترأس سعد زغلول مجلس الوزراء، وبسبب أحداث مقتل السير لي ستاك.. استقال سعد، وكان الملك فؤاد يقوم بحل البرلمان بصفة مستمرة.. فور نجاح الوفد. وفي عام 1930، اصطدم الملك مع رئيس الوزراء مصطفى النحاس، وقرر إقالة الوزارة، وعين إسماعيل صدقي رئيساً للوزراء.
قرر إسماعيل صدقي إيقاف العمل بالبرلمان فترة، ثم قام الملك فؤاد بحل البرلمان، وأصدر دستور 1930 الديكتاتوري. وأبرز ما فيه.. كان توسيع سلطة الملك، والسلطة التنفيذية، وتقليص سلطة مجلس النواب، وجعل انتخاب مجلس النواب على درجتين.. بدلاً من الانتخاب المباشر، وجعل مجلس الشيوخ مكوناً من 100 عضو، يعين الملك منهم 60 عضواً.
وتشكل مجلس نواب.. تمت هندسته، ليكون تابعاً للملك وصدقي. ومنذ إعلان ذلك الدستور، بدأت المقاومة الشعبية له؛ وكان أولها مقاطعة الانتخابات، ونجاح نواب مكروهين شعبياً. ثم بدأت المظاهرات الطلابية والشعبية، وتلاها إضراب عام، وحدثت مواجهات شديدة مع الشرطة. كان عباس العقاد نائباً عن الوفد في البرلمان، وعندما شعر بأن الملك يرغب في تغيير الدستور.. قال: «إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلد، يخون الدستور». اعتُبرت هذه العبارة إهانة للملك فؤاد، وأحيل العقاد إلى المحاكمة، وتولى مكرم عبيد الدفاع عنه، وصدر الحكم بحبس العقاد 9 أشهر.. قضاها في سجن القلعة. كانت مرافعة مكرم عبيد.. تستند إلى أن المحاكمة سياسية، وليست جنائية. وقال أمام المحكمة، إن الخصومة الحقيقية بين الرجعية والدستور، ولا يمكن فصل الأزمة الدستورية عن المحاكمة، وأضاف أن هذه المحاكمة للتخويف، ولإيقاف الحملة السياسية ضد تغيير الدستور.
الرأي الرسمي للحكومة البريطانية، كان عدم الموافقة على إلغاء دستور 1923، أو تبديله بدستور 1930. وهناك وثيقة بإعلان رامزي ماكدونالد – رئيس الوزراء البريطاني – أمام مجلس العموم، أن حكومته أصدرت تعليمات إلى المندوب السامي.. بالتزام الحياد. وأن تغيير الدستور.. شأن مصري داخلي. ولكن حين تصاعدت المطالب الشعبية بإعادة دستور 1923، أعلنت بريطانيا أنها ترى أن العودة إلى الدستور القديم.. لن تحقق مطالب الشعب المصري، وهو ما يعني أن بريطانيا – كحكومة – كانت سعيدة بكتابة دستور ديكتاتوري، لكنها لم ترغب في إعلان ذلك في مجلس العموم.
وتحت الضغط الشعبي، استقالت حكومة إسماعيل صدقي عام 1933. وفي نوفمبر 1934، صدر الأمر الملكي بإلغاء دستور 1930، وحل مجلس البرلمان، وعاشت مصر بدون دستور حوالي عام، اندلعت خلاله مظاهرات طلابية، وسقط عدد من القتلى.. أشهرهم محمد عبد الحكيم الجراحي. وفي ديسمبر 1935، صدر الأمر الملكي بإعادة دستور 1923.
أحد الأسباب في رضوخ الملك فؤاد.. هو مرضه الذي اشتد عليه، وخوفه الشديد.. من أن يتحول الغضب الشعبي في غير وجوده، إلى تحول مصر إلى جمهورية. فقد كان يريد تأمين انتقال العرش بسلام.. إلى ابنه ولي العهد الأمير فاروق، وهو ما حدث بعد وفاة الملك فؤاد في 28 أبريل عام 1936.
ما حدث في مصر عام 1930، حدث مثله في بلاد أخرى، واستمر ذلك في العصر الحديث. والتعديلات الدستورية في جميع البلاد.. تستهدف إضعاف سلطة البرلمان، وزيادة سلطة الرئيس أو الملك، وتقليل قدرة الشعب على محاسبة الحاكم.
هذه الظاهرة.. ليست مقصورة على دول العالم الثالث، بل حدثت في دول أوروبية؛ ففي إسبانيا.. أصدر فرانكو – عام 1938 – قوانين كرَّست الحكم السلطوي. وفي عام 1933 في ألمانيا، لم يصدر دستور جديد، ولكن قانون التمكين.. سمح لحكومة هتلر بالتشريع دون البرلمان. وفي شيلي أصدر بينوشيه دستوراً.. منح المؤسسة العسكرية نفوذاً سياسياً واسعاً، وقيد التمثيل الديمقراطي. وفي بيرو عام 1993، صدر دستور جديد.. عزَّز السلطات في يد الرئيس. وفي فنزويلا في عام 1999، صدر دستور ديكتاتوري. وفي المجر حديثاً – في عام 2011 – صدر دستور جديد، كانت عليه اعتراضات واسعة.. في المجر والاتحاد الأوروبي. وفي تركيا عام 2017، ألغي منصب رئيس الوزراء، وتركزت السلطة في يد رئيس الجمهورية. وفي تونس عام 2022، استبدل دستور 2014.. بدستور أضعف الضوابط البرلمانية والقضائية، وعزز سلطة الرئيس.
الدساتير الديمقراطية.. تُكتب بدراسة ووعي، وتأخذ وقتاً كافياً، ويمثل من يكتبون الدستور.. كافة طبقات وطوائف المجتمع. ويجب أن يتفق أغلبية اللجنة على كل مادة.. شرطا للموافقة عليها، ويجب ألا تفرض سلطة، أو قوى معينة من أي اتجاه.. رأيها على اللجنة. وفي النهاية، يتم التصويت عليه من الشعب.. في استفتاء عام حر، بدون أي ضغوط.
لكن هناك تغييرات تتم على الدساتير الديمقراطية.. بواسطة قوى سياسية مختلفة، تسلب الدستور مميزاته، ونادراً ما يحدث تغيير إيجابي في الدستور.. يزيد من الحريات. هذه الظاهرة، يسميها الباحثون في القانون الدستوري «التراجع الديمقراطي عبر الوسائل الدستورية».
الدساتير المحترمة، في البلاد الديمقراطية.. تعيش، وقد تحدث تعديلات عليها.. لزيادة جرعة الديمقراطية، أو لظروف جديدة.. تستدعي تعديلاً. هذه التعديلات – التي تحدث في البلاد الديمقراطية – هي لتحسين الدستور، وسد أي ثغرات تكون موجودة فيه. أما في بلاد العالم الثالث، فكثير من التعديلات التي تحدث على الدساتير، تكون لتضييق حيز الديمقراطية المتاح، وتعظيم السلطة في يد الحاكم.
قوم يا مصري مصر دائماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم»