د. نيفين مسعد
توقف المقال السابق بالتحليل.. عند الرؤية الإسرائيلية لشكل التحالفات في الشرق الأوسط، بعد انتهاء الحرب. أما مقال هذا الأسبوع، فإنه يتطرق لرؤيتين/مبادرتين أخريين معلنتين؛ هما للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمملكة العربية السعودية على التوالي.
… في أثناء عملية التفاوض على شروط إنهاء الحرب، وما يليها من ترتيبات.. طرحت إيران مبادرة من ثلاث مراحل.
وتختص المرحلة الثالثة – التي يهتم بها المقال – ببناء نظام للأمن الإقليمي، يشمل كل دول الشرق الأوسط، وينبثق هذا النظام ..عن حوار بين دول المنطقة، على اعتبار أن هذا هو السبيل لتحقيق الاستقرار المستدام. والواقع أن فكرة بناء نظام للأمن الإقليمي العربي/الإسلامي.. ليست من اختراع المبادرة الإيرانية، بل إنها تمثل خطاً ثابتاً في الفكر الاستراتيجي الإيراني، بهدف أساسي.. هو الرغبة في استبعاد القوى الكبرى من المنطقة.
فعلى سبيل المثال، طرح الرئيس الأسبق حسن روحاني.. مبادرة «هرمز للسلام» في عام 2019؛ وجوهرها.. توقيع معاهدة عدم اعتداء مع دول الخليج العربية، وتأمين إمدادات النفط، وكذلك حرية الملاحة (نلاحظ الإشارة إلى مسألة حرية الملاحة، قبل تطورات مضيق هرمز بست سنوات كاملة)، والتعاون في مواجهة الإرهاب، والتوترات الطائفية.. بين السنة والشيعة. وأعطت المبادرة دوراً للأمم المتحدة.. في تسوية الخلافات بين الأطراف المختلفة، واشترطت إخراج القوات الأمريكية من الخليج؛ كشرط مسبق لتنفيذ المبادرة.
وبعد إعادة انتخاب ترامب، ثم سقوط نظام بشار الأسد، نشر محمد جواد ظريف – وزير خارجية إيران الأسبق – مقالاً في مجلة الإيكونوميست في ديسمبر 2024، طوَّر فيه فكرة مبادرة هرمز للسلام.. بما يتسق مع رؤية الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان، وحملت المبادرة الجديدة اختصاراً.. اسم «مودة». وجوهرها إنشاء رابطة للحوار حول القضايا الإقليمية، بحيث تجمع دولاً من الشرق الأوسط مع بعض دول غرب آسيا الإسلامية.
يظهر التطور من مبادرة هرمز للسلام.. لمبادرة مودة في عدة نقاط؛ أولاها: مأسسة الحوار، وتحويله إلى رابطة مستقرة.. مما يضمن له الاستدامة. والثانية: توسيع نطاق الحوار، ليضم – إلى جانب دول الخليج – دول غرب آسيا المسلمة (منها تركيا وباكستان ومصر وسوريا ولبنان.. إلخ). والثالثة: توسيع نطاق التعاون؛ ليشمل – إلى جانب عدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وضمان حرية الملاحة – تحقيق الأمن الإنساني.. (بما يضمن تطوير حقوق المرأة والأقليات والشباب.. إلخ)، وإنشاء صندوق مودة للتنمية (وهذا البند سابق على طلب إيران.. تعويضات من دول الخليج).
وفيما يخص الموضوع النووي، اقترحت المبادرة أن ينشأ كيان.. يكون هو وحده المسؤول عن تخصيب اليورانيوم في غرب آسيا. وقد عاد ظريف ليطرح نفس الرؤية – في مقال له بمجلة «فورين أفايرز» – بعد اندلاع الحرب الأخيرة نهاية فبراير الماضي. وكما هو واضح، فإن مجمع تخصيب اليورانيوم المقترح، يهدف إلى تطمين الدول العربية.. بأنها ستصبح جزءاً من إدارة ملف التخصيب، ويغلق أي منفذ للتدخل الخارجي؛ وكأن إيران بذلك انتقلت من تدويل الملف النووي واستبعاد دول الخليج تماماً في اتفاق 2015 (مع مجموعة 5+1)، إلى أقلمة الملف النووي، ليس فقط بإدخال دول الخليج، لكن كذلك بإدخال دول غير خليجية، سواء عربية أو غير عربية.
هذه الرؤية الإيرانية – بطبعاتها المختلفة.. منذ 2019 وحتى 2026 – إذا جاز التعبير- تتبنى الحوار.. كمدخل لحل القضايا الإقليمية. وهذا جيد، بعدما ثبت أنّ لا حل عسكري يمكنه الحسم، لكن من المهم إدراك أن هذا الحوار سيواجه عدداً من الألغام، التي – من دون توافر الإرادة السياسية عند جميع الأطراف، لتفكيكها وفق مبدأ التنازلات المتبادلة – فإنه لن يحدث تقدم؛ من هذه الألغام، ربط المسار الإيراني.. بمسارات التطور في عدد من الدول العربية، مما يُعد تدخلاً في الشؤون الداخلية العربية. ومستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج.. على ضوء اتجاه بعض دول الخليج لتوثيق تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة، وكيفية التوفيق بين علاقة بعض الأطراف العربية والإسلامية مع إسرائيل، وبين وجودها في إطار يستبعد إسرائيل من الترتيبات الإقليمية. دع عنك موقف مصر الثابت من التمسك بمبدأ الدفاع العربي المشترك، والشك في استعداد دولة مثل سوريا.. تحت نظام الحكم الجديد هناك.. في التجاوب مع المبادرة الإيرانية.
وفيما يخص المبادرة السعودية، فقد كشف النقاب عن جهود دبلوماسية سعودية.. لتوقيع اتفاق عدم اعتداء مع إيران، تنضم إليه دول أخرى مثل باكستان وتركيا.. وربما مصر أيضاً. وأوضح الكاتبان أندرو إنجلاند وهنري فوي – في مقالهما بصحيفة «عرب نيوز» – أن المبادرة السعودية تستلهم روح اتفاقيات «هلسنكي» – التي وقعتها الولايات المتحدة وأوروبا مع الاتحاد السوفيتي وحلفائه في عام 1975 – من أجل إحلال التنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي.. محل التوترات الناجمة عن الحرب الباردة.
هذه الرؤية – القائمة على التنسيق العسكري مع إيران – تمثل منحى جديداً في السياسة الخارجية السعودية.. على الأقل على المستوى المعلن. وهي تتقاطع مع الرؤية الإيرانية في مبادرة «مودة».. في عدة مواضع؛ منها ضم دول من غرب آسيا، وإبرام اتفاق عدم اعتداء، مع التعاون الاقتصادي المشترك. ويساعد على التلاقي بين المبادرتين؛ أن السعودية التزمت بسياسة ضبط النفس.. رغم الاعتداءات الإيرانية عليها في الحرب الأخيرة. كما أن باكستان – التي ترتبط معها السعودية باتفاقية للدفاع المشترك – هي الوسيط الأساسي في رعاية المفاوضات الأمريكية-الإيرانية. لكن تظل المعضلة الأساسية بالنسبة للمبادرة السعودية.. هي مدى قدرتها على الحصول على تأييد جميع الدول في مجلس التعاون الخليجي، والتحول بفكرة عدم الاعتداء المتبادل.. من الإطار الثنائي السعودي-الإيراني.. إلى الإطار الجماعي الخليجي-الإيراني.
والخلاصة.. هي أنه يمكن البناء على المبادرتين الإيرانية والسعودية؛ من حيث انطلاقهما معاً من الحلول السياسية للقضايا بين إيران وجوارها العربي والإسلامي. لكن يبقى أن الوصول إلى اتفاقيات على غرار نموذج هلسنكي، يحتاج إلى إنضاج الظروف الملائمة – ليس فقط من جانب إيران.. بعد الشرخ العميق الذي خلفته الحرب الأخيرة، لكن كذلك من جانب الدول العربية، عبر حد أدنى من التنسيق فيما بينها.. قبل الانخراط في حوار مع إيران – وذلك لتعظيم الأثر أولاً، ولقطع الطريق ثانياً..على المبادرات المفخخة التي تأتي من خارج المنطقة، وآخرها المبادرة الأمريكية.. لما سمي تحالف دول الاتفاقيات الإبراهيمية.
نقلاً عن «الأهرام»