Times of Egypt

الموسيقى عندما تدعو إلى عالم أفضل

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

تقول الفيلسوفة الشهيرة «حنة أرندت» (1906 ــ 1975) – في كتابها: «شخصيات في أزمنة مظلمة» – إن «السيرة الذاتية التي تستحق أن تُروى عموماً، وأن تُعالَج درامياً خصوصاً؛ هي تلك السيرة التي استطاع صاحبها/صاحبتها ترك أثر مضيء مستدام»، بفعل أصالة الإبداعات التي أنجزتها، ومن ثم بقيت حية وخالدة جيلاً بعد جيل.

ممن تنطبق عليهم مقولة «حنة أرندت».. فنان البوب الأمريكي الأشهر «مايكل جاكسون» (1958 ــ 2009)؛ الذي لم يزل فنه حاضراً ومثار إعجاب وتقدير.. بالرغم من رحيله قبل ما يقرب من عقدين. ولعل الإقبال الجماهيري العابر للحدود.. على مشاهدة الفيلم السينمائي الروائي «مايكل» – الذي يتناول سيرته – الذي بدأ عرضه في شهر أبريل الماضي.. وناهزت إيراداته المليار دولار، يؤكد أن سيرته من السير المشعة والخالدة. وربما يكون السؤال المنطقي: ما الذي تذخر به تلك السيرة من إضاءات، مما دفع الملايين إلى مشاهدة الفيلم؟! أخذاً في الاعتبار أن هذا الفيلم.. ليس الأول الذي يتناول سيرة مايكل جاكسون؛ فهناك العديد من الأعمال الدرامية والتوثيقية والنقدية، التي عالجت فنه وشخصيته.. من زوايا متعددة.

فبالإضافة إلى فيلم «مايكل» – الذي يُعرض حالياً – أُنتجت الأعمال التالية: «جاكسون: حلم أمريكي» (1992)، و«إنسان أمام مرآة: قصة مايكل جاكسون» (2004)، و«رحلة مايكل جاكسون» (2016)، «مايكل جاكسون: بحثاً عن أرض الأحلام» (2017)،…، إلخ.

ومن الكتب التي صدرت عن فنه وفكره، نشير إلى: «مايكل جاكسون: السحر، والجنون، القصة الكاملة من 1958 إلى 2009» (2009)، «مايكل جاكسون المؤسسة» (2014)، «الفلسفة الخطرة لمايكل جاكسون: موسيقاه، شخصيته، وفنه بعد حياته» (2016)، و«إنسان في موسيقى: الإبداع في حياة وعمل مايكل جونسون» (2019)، «مايكل جاكسون ومعضلة الهوية السوداء» (2021)،…، إلخ.

تتفق الأعمال السابقة – وغيرها – على أن «مايكل جاكسون» يُعتبر مشروعاً فنياً وموسيقياً مركباً، وأنه محطة مهمة في تاريخ موسيقى «البوب».. في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم. فلم يكن «مايكل جاكسون» مجرَّد مُغن أو فنان استعراضي، بل فنان رؤيوي شامل؛ إذ كان يكتب كلمات أغانيه، ويلحنها، ويصمم ويُخرج استعراضات كليباته الغنائية، وأعماله الدرامية،…، إلخ. في هذا المقام، يقول عنه الناقد الثقافي الأمريكي «جوزيف فوجل» – في كتابه: «إنسان يذوب في الموسيقى» 500 صفحة – أنه.. «كي نفهم مايكل جاكسون، علينا أن نقاربه؛ باعتباره فناناً، ومفكراً موسيقياً.. في المقام الأول».

ومن ثم أطلق «فوجل» على مسيرة «جاكسون».. «المغامرة العظيمة»؛ وتتبَّع كيف كان «مايكل» يطرز منسوجاته الموسيقية Music as Tapestry نغمياً وإيقاعياً وصوتياً وتوزيعياً.. مع الكلمات، التي لم تكن منبتة الصلة عن السياق الاجتماعي السياسي الأمريكي والعالمي.. على مدى ما يقرب من ثلاثين عاماً. ومن ثم وجدت فيها القاعدة الشعبية العريضة – وفي القلب منها الشباب – ما يعكس قلقهم الوجودي ومعاناتهم الحياتية.

كما تواكب بوعي.. التحولات التي تطرأ على مجتمع العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين. لم يتوقف إبداع «مايكل».. عند تجسيد ما يفور داخل الجمهور العريض.. من قلق ومعاناة فقط، بل عمل بوعي على أن يمنحهم الأمل، ويدفعهم إلى تغيير الذات والعالم؛ من خلال مقاومة الظلم، وإصلاح الأوضاع المعوجة، والتضامن الإنساني، وحماية الفئات الهشة.

على التوازي، يأتي كتاب: «الفلسفات الخطرة لمايكل جاكسون»؛ للباحثة والكاتبة البريطانية المتخصصة في الدراسات الثقافية والأدبية «إليزابيث أميسو»، (ساهمت في تأسيس حقل أكاديمي يُعرف بدراسات مايكل جاكسون، وكذلك دورية متخصصة عنه، إلى جانب دراساتها حول شكسبير)؛ ففي كتابها هذا.. لم تكتفِ المؤلفة بالتأريخ الموسيقي، والتحليل الغنائي لمايكل جاكسون، وإنما قامت – في 400 صفحة تقريباً – بعملية تشريح فكري فني لمايكل جاكسون.. عبر ثلاث مراحل، تعكسها بنية الكتاب.. التي تتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، تضم 21 فصلاً.

جاءت عناوين أقسام الكتاب كما يلي؛ أولاً: الفن مدخلاً للحياة. وثانياً: الحياة كفن. ثالثاً: الإبداع الفني بعد غياب المبدع. تتبعت الباحثة التطور الفكري لمضامين إبداعات «مايكل».. في مرحلة إثبات الذات، ثم تكريس الحياة – بالكلية – لفنه، وأخيراً.. كيف يصير الإرث الثقافي لإبداعات «مايكل».. منظومة رمزية تحوله إلى أسطورة. وتخلص الباحثة إلى أن «مايكل جاكسون» لم يكن مجرَّد نجم استعراضي مذهل، بل فنان/إنسان، يعمل بدأب – عبر إبداعه المركب – لكي يعبر عن نفسه وعن عالمه وإشكاليته.

فقد استخدم مايكل الفن.. والجسد، والصوت، والصورة، والطفولة، والشهرة، لطرح أسئلة خطرة عن الإنسانية المعاصرة: من نحن؟ كيف نُرى؟ وكيف نحافظ على البراءة والإنسانية داخل عالم عنيف واستعراضي؟ والأهم.. كيف نجعل من العالم الراهن مكاناً للحياة الأفضل؟ 

وهنا تأتي أغنية: «شفاء العالم Heal the World».. لتعكس الملامح الأساسية لرسالة «مايكل جاكسون»؛ إذ يقول فيها: «اشفوا العالم؛ فكروا في الأجيال/ قولوا يمكن أن نجعله أفضل من أجل أطفالنا/ من أجلي وأجلك ولكل الجنس البشري/ فالحلم الذي وُلدنا من رحمه سيكشف عن وجه فرح/ والعالم الذي آمنا به سيُشرق مجدداً بالمجد والانتصار من أجلنا وبنا/ فلماذا نحاصر الحياة ونؤذي الأرض ونصلب روحها/ نحن يمكن أن نحلق ونجعل أرواحنا خالدة/ ونخلق عالماً متحرراً من الخوف/ ونبكي من الفرح لرؤية الأوطان تحول السيوف إلى محاريث.

يجسد النص السابق – حسب أحدهم – نوعاً من «اليوتوبيا الإنسانية».. التي التزم بها «مايكل جاكسون»، ووجهت الكثير من أغانيه/ألبوماته التالية مثل: «أغنية الأرض Earth Song»؛ حيث دعا فيها إلى إنقاذ الضمير، وإعمال الضمير الإنساني. وأغنية «إنهم لا يأبهون بنا They Don’t Care About Us».. التي يشجع فيها على الاحتجاج ضد الظلم، والنضال من أجل نيل الحقوق.. التي وعد بها إعلان الاستقلال الأمريكي. ففي هذه الأغنية.. يقول: «قل لي ماذا حلَّ بحقوقي؟/ أأنا غير مرئي لأنكم تتجاهلوني؟/ لقد وعدني إعلانكم بحرية كاملة… لكن لا، لقد سئمت أن أكون ضحية للوصم والعار…». 

على نفس النهج، سار «جاكسون» في كل ألبوماته: «عصي على الانكسار»، و«أسود وأبيض»، و«نحن العالم»، و«صرخة من أجل تغيير العالم»،…، إلخ.

وبعد، يأخذنا فيلم «مايكل».. إلى اكتشاف عالم «مايكل جاكسون»: الطفولة والصعود مع أشقائه أولاً، ومنفرداً ثانياً، مواصلاً ما أسَّسه السابقون عليه.. من جعل الموسيقى مرآة للتحولات المجتمعية، ودافعة للتضامن الإنساني من أجل عالم أفضل.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة