محمد أبوالغار
كتاب مبهر بقلم محمد نعيم، والناشر دار المحروسة. العصامية مفهومة. والجربعة.. كلمة صعبة التعريف، لكنها مفهومة؛ فكلنا نعرف معنى أن يكون الإنسان جربوعاً. اكتشف الفلاحون أن التعليم هو وسيلة الرقي الاجتماعي.. الذي ينهض بالفرد وأسرته، وربما بقريته كلها، ولكن كانت هناك علاقة غريبة ومتناقضة.. بين حب التعليم، وكراهية العلم؛ لأنه قد يتعارض – في نظرهم – مع ثوابت اجتماعية أو دينية. وهو ما أدى إلى ظهور عبدالعاطي.. الذي أعلن أنه استطاع تحويل فيروس الإيدز إلى بروتين، يشبه صباع الكفتة.
فتح التعليم الحديث الفرصة لأولاد الفلاحين.. للالتحاق بالميري، الذي يوفر أماناً في المعاش بعد انتهاء الخدمة. وكان التحاق أولاد الفلاحين بالميري.. هو أول سبب لمطالبتهم بالمساواة بالأتراك والأرنؤوط.
لم يكن مسموحاً أن يكون هناك ضباط من المصريين.. في عصر محمد علي. لكن في عصر سعيد باشا، بدأ البعض يترقى إلى رتبة القائم مقام (عميد). وكان محمد علي محقاً!! لأنه بعد عقدين، طلب أحمد عرابي المساواة بالأتراك. والمتعلمون المصريون – في ظرف نصف قرن – تفهموا مبادئ القومية والليبرالية والاشتراكية، وسيادة الشعب، والفصل بين السلطات.
الجربعة.. نظام تطور ووُلد من داخل العصامية، ويبتغي إضعاف المؤسسات، والتعليم والجيش والأفكار الجديدة، ويحتقر الثقافة. الجربعة.. هي الاستهانة بسلامة واتساق المنطق الأخلاقي، على نحو يجتث كرامة الإنسان. وعدم اتساق القول مع الفعل. المزايدة الدينية والأخلاقية.. غير المتسقة مع سلوك صاحبها المشين، هي أحد عناصر الجربعة.
يعتقد المؤلف أن المصريين.. من عمالقة احتراف «النوستالجيا» والوله بالماضي – سواء كان فرعونياً أو إسلامياً أو ملكياً أو ناصرياً – وهو تعبير يكشف عن عجز واضح.. في مواجهة تحديات الواقع المعاصر. ثم يقول إن هزيمة 1967 المُذلة، تأخر حصادها سنوات.. لتتمكن من عقل مصر وروحها؛ فدائماً هناك أمل – ولو كاذباً – لتصويب الأخطاء، وهناك استسلام للأماني الزائفة، وتصبح القدرة الحقيقية لنظام الحكم.. هي إدارة الفشل، وإعادة إنتاج أنفسهم.. حتى تظن أجيال وأجيال.. أن هذه هي الحياة الطبيعية.
يكتب أن الإنجليز احتلوا مصر عام 1882.. لترجيح كفة الخديو توفيق على كفة عرابي، ويقول إنه عند دخول القوات الإنجليزية القاهرة.. كان في استقبالها مظاهرات عملاقة من أنصار الخديو توفيق، وإن الأهرام كتبت.. أن «الإنجليز دخلوا القاهرة دون أدنى مقاومة، فابتسم ثغر مصر وتلهفت القلوب فرحاً، بشراك يا مصر فقد نلت المنى فادخلوها في سلام آمنين». وهذا شيء مذهل ومخالف لكل ما عرفناه عن التاريخ.
هزيمة الثورة العرابية.. خلقت ما سماه الكاتب «انتصار الهزيمة»؛ فقد تحسنت أحوال مصر تحت الإدارة البريطانية، وتحسن الاقتصاد، وزادت أرباح وثروات طبقة الملاك. بعد هزيمة 1967 لم يتغير النظام السياسي والاجتماعي بحجم الكارثة، «بل كانت الشعارات والحفاظ على النظام الوطني.. هو الانتصار الحقيقي، فتمكن تيار من مفاصل الحكم، ومن الإعلام.. فظهرت خطابات تحتقر المعرفة والعلم والثقافة، وأصبح الفساد عنصراً أساسياً في الحكم. تاريخ المصريين يعطيهم شعوراً دائماً بعدم الإحساس بالأمان، ويتضح ذلك في ملاحظة الناس في البوفيه المفتوح، حيث ترى الأطباق الهرمية التي لا يستطيع أحد أن يأكلها بالكامل».
يلخص المؤلف – ببراعة واختصار – رأيه السلبي في الفترة الليبرالية؛ حيث كان مُلاك الأراضي الكبار هم القوى الأعظم، لكنها كانت غير قادرة على دفع المجتمع للأمام، لكن رجال الصناعة من أمثال عبود وفرغلي وأبورجيلة.. الذين أيدوا حركة الضباط الأحرار كانوا يعتبرون كبار ملاك الأراضي يعوقون التقدم الصناعي، ونظراً لضعف علاقة رجال الصناعة بالشارع في الريف.. كانوا عماد أحزاب الأقلية التي انضمت للملك.
اجتمع الضباط الأحرار في 26 يناير 1952، فور اندلاع حريق القاهرة، وقرروا أن يعملوا بسرعة.. مخافة انفجار شعبي لا أحد يعلم مداه. والتصور، أن الضباط الأحرار كانوا من أصول فقيرة.. دخلت الكلية الحربية بعد معاهدة 1936 خاطئ، فكلهم كانوا أولاد عمد أثرياء، وعبدالناصر كان واحداً من ثلاثة من الضباط الأحرار يمتلك سيارة خاصة، وكان متزوجاً من عائلة غنية، وكان يسكن في بيت كبير، وقامت الحركة بعمل قانون الإصلاح الزراعي، خلال أسابيع أعدمت خميس والبقري (19 و17 عاماً) من عمال كفرالدوار.. بعد محاكمة عسكرية شملت أطفالاً عمرهم 11 عاماً، وأُلغيت الألقاب، ولبس الطربوش، وأعلنت الجمهورية.. فأصبحت ثورة شعبية. وخلال الخمسينيات كان الشعار الغالب، هو تمجيد العمل والنشاط والتقدم.
يقول نعيم.. إن الستينيات كان حصاداً لمشاكل الحكم؛ الفساد، وعدم الكفاءة.. الناتج عن زيادة أهل الثقة، وأصبح القادة السياسيون الكبار.. فوق أي نقد، وأصبح رئيس الجمهورية في منزلة المرسل. وتمت السيطرة بالكامل على الإعلام. ويقول.. إن حوار الطرشان دار بين رجال الصناعة، الذين يطلبون ما لا تستطيعه الدولة. ولم تكن السلطة قادرة على المحافظة على التنمية، ولذا صدرت قرارات التأميم في 1961.
ويعتقد المؤلف أن عامي 1965 و1966.. كانا في غاية الصعوبة على المصريين من الناحية الاقتصادية، والسيطرة الكاملة على وسائل الإعلام.. في زمن لم يكن فيه إنترنت ولا فضائيات. هزيمة 1967 لم يتوقعها أغلب الشعب، فقال الراحل محمد السيد سعيد: كان المصاب ثقيلاً وغير متوقع، وكانت طعنة في مقتل، فالهزيمة كانت في المعركة الوطنية.. التي يجمع الجميع على شرعيتها، فبعد زرع مُرَكَّبات الخوف والهزيمة داخلهم، فقد المصريون ثقتهم بأنفسهم، ولم يعد يوجد فارق بين مفهوم رفض الهزيمة، وبين تأييد الدولة.. التي جلبت الهزيمة في أبشع صورها. كانت هزيمة جماعية.. فتحت أبواباً لم تغلق حتى الآن.
في مرحلة لاحقة، تحدث الكتاب عن عصر السادات ومبارك وثورة 25 يناير، والحقيقة هو كتاب مهم ومختلف، يستحق القراءة.. بهدوء وبحيادية وبدون تشنج.
قوم يا مصري مصر دائماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم»