عبدالله عبدالسلام
خلال السنوات الماضية، ترددت تعبيرات «براقة».. سرعان ما تلقَّفها الإعلام وروَّج لها؛ أبرزها خريطة جديدة، ونظام جديد.. للشرق الأوسط. نتنياهو كان الأكثر ترديداً لها، وسار على دربه مسؤولون كثيرون في الإقليم والعالم. لكن رغم كل التطورات والأزمات المتلاحقة.. تبيَّن أن أحاديث إعادة رسم الخرائط، وخطابات الشرق الأوسط الجديد.. مجرد أوهام ومحاولات فاشلة، لبيع انتصارات تكتيكية وعسكرية مؤقتة.. على أنها إنجازات استراتيجية وتحولات تاريخية.
الواقع على الأرض أكثر تعقيداً من «الخرائط الجديدة». التغيير لا يمكن أن يحدث لمجرد أن طرفاً واحداً – مهما كانت قوته وعدوانيته – راغب في ذلك.
قبل هجمات «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، سادت تصورات بأن المنطقة مُقبلة على السلام والاستقرار والتنمية والرفاهية.. بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل ودول عربية، جرى خلالها تجاوز القضية الفلسطينية. جاءت الهجمات لتؤكد أن أصحاب تلك الرؤية.. كانوا واهمين. شنَّت إسرائيل حرب إبادة وتطهير عنصري على غزة، كان الهدف إزالة القطاع وأبنائه من الخريطة تماماً. سقط 75 ألف شهيد، وعانى الغزيون من المجاعة، ومحاولات الاقتلاع من أرضهم. لكنهم صمدوا.. ولم يتحقق الهدف الإسرائيلي، وهو التهجير.
رغم كل الانكسارات، لا تزال القضية الفلسطينية هي المحرك الأساسي.. الذي يُحدد شكل التفاعلات في المنطقة.
قبل أيام، نشرت دورية «فورين أفيرز» الأمريكية.. مقالاً للأكاديمي الأمريكي البارز جريجوري جوس الثالث، بعنوان «الشرق الأوسط القديم الجديد».. جادل فيه بأن صراعات الشرق الأوسط الأخيرة، لم تُحدِث تغييراً جذرياً في المنطقة، بل أعادتها إلى التوازنات القديمة؛ وأهم سماتها وجود دول ضعيفة، وتدخلات خارجية استغلالاً للوضع. فكَّك جوس أوهام التغيير.. الذي حمل لواءه نتنياهو وترامب وآخرون. الصراعات الراهنة – خاصة العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران – لم تحسم موازين القوى نهائياً.
إيران تلقت ضربات شديدة وموجعة.. ستظل معها لسنوات وسنوات. لكنها لم تسقط، بل تتوعَّد بجولات قادمة. يضيف: المنطقة لم تدخل نظاماً جديداً، بل عادت لأنماط قديمة. محور المقاومة (حماس وحزب الله تحديداً) عانى انكسارات قاسية، لكنه مستمر.. وقادر على إعادة ترتيب أوضاعه، بما يمنع فرض واقع سياسي جديد، تهيمن عليه إسرائيل وحدها.
هناك أيضاً الفراغ السياسي السائد في دول عدة؛ مثل لبنان واليمن وسوريا والأراضي الفلسطينية. هذا الفراغ يجلب التدخلات الأجنبية والإقليمية، وهو نمط قديم ومتجدد في المنطقة العربية. لكن هذا الفراغ لا يسمح بتحقيق السلام. وكما يقول الباحث الأمريكي: «الدول الهشة لا يمكنها – في نهاية المطاف – إرساء دعائم السلام. مصر والأردن صنعتا السلام لأن الدولة راسخة وقوية».
المفارقة، أن إسرائيل تلعب الدور الرئيسي.. في زعزعة استقرار الدول، التي تدعي أنها تريد السلام معها. ولبنان نموذج صارخ.
والخلاصة الأهم، هي استحالة تهميش القضية الفلسطينية. قد يؤدي اندلاع صراع إلى صرف الأنظار عنها مؤقتاً. لكن تطورات هذا الصراع (كالحرب ضد إيران).. تعود لتؤكد أن القضية الفلسطينية هي الأساس.
وما لم تتحقق تطلعات الشعب الفلسطيني، ستظل قضيته محفزة على اشتعال صراعات أخرى. بدون أن تدرك أمريكا وإسرائيل ذلك، سيظل الحديث عن خريطة جديدة للمنطقة.. أقرب للأمنيات والمبالغات والأوهام.
نقلاً عن «المصري اليوم«