تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الصين.. شهادات وحكايات فيها وعنها

M.Adam

جميل مطر

كنت هناك بين عصرين.. عصر المهانة، وعصر المهابة.

ذهب ظني إلى أن رجلاً في مثل عمري، لا يدخل التفكير في الماضي.. ضمن جملة اهتماماته اليومية والعادية. ظنٌ قويٌ.. يسنده العلم ويؤكده الطب. ما يهمنا – أقصد جماعة كبار السن – ويحتل الأولوية في اهتماماتنا، هو الحاضر.. بما يعنيه، وبما يقدمه لنا.. من ثقة وساحة لعواطف هادئة، وبما يقدر على استعارته من الماضي.. عن طريق ذكريات منتقاة بعناية، ولغرض ولوقت محددين.

أعتقد – عن حق واقتناع – أن الماضي.. إن تركوه لنا حراً ومتاحاً، بلا تمييز وبدون آليات اختيار أو انتقاء في الزمن وفي الموضوع، لضاع منا الحاضر أو لضعنا نحن فيه. هذه الآليات يوفرها التقدم المنتظم في العمر.. مع قدر مناسب من موفور الصحة. أحياناً أشغل نفسي بالاستغراق في تصوُّر حال إنسان غيري.. متقدم جداً في العمر. أتصوره وقد انفتح أمامه الماضي كله في آن، انفتح على سنوات طفولته وسنوات مراهقته وسنوات شبابـه ومختلف تجارب علاقاته، وعديد مراحل الإنجاز والفشل في حياته. أراه يفرح أو يحزن ويندب حظه، وفي النهاية يستخلص عبراً. أغلب هذه العبر لا يفيد ولا يعني شيئاً في حسابات حياته الحاضرة.. أو في حسابات الفترة المتبقية له في الحياة.

مع ذلك، فإن الإنسان الذي يعنيني.. وقد بلغ من العمر ما بلغ وهو كثير، لن يتوقف عن نبش الماضي، وإن هدأت بالفعل – مع الوقت – مرات هذا النبش. ينبش لأن نسمة تنتمي لعاطفة بعينها هفت، فإذا بكل ما كانت هذه العاطفة تعني له، يعود عليه في شكل وقوة عاصفة. النسمة التي هفت للحظة.. تحولت «بنبشة» في الماضي.. إلى عاصفة ذكريات ومشاعر وأحاسيس، وتقلبات في المزاج.. منتهية في الغالب بموجة سعادة فائقة.

أذكر بالتفصيل ما حدث مساء الأمس. رنَّ هاتف، استجابت له ابنتي الأصغر – وكانت تزورني.. كما تفعل كل مساء – رأيت على وجهها، وهي تنصت إلى المتحدث، علامات ابتهاج بالغ. انتهت من المكالمة لتبلغني أن الجهود لدى البيروقراطية – وكانت هائلة بكل المعنى – نجحت وأصبح لشقيقها الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً.. شهادة ميلاد مصرية موثقة. نسمة هفت، وعاصفة هبت. قضيت معظم الليل ونهار اليوم.. أستعير من الماضي تفاصيل بعينها، قضيتهما أستذكر ما سبق وتفضَّل به الماضي من ذكريات. في مناسبات أخرى تكرَّم بالكشف عنها دون سؤال مني أو تطفل. ما أحلاها الهدايا التي كنت أستيقظ فأجدها، دون طلب أو توقع، تشاركني وسادتي، وما أعذبها كلمة حب سمعتها دون انتظار.

عشت بالذاكرة لساعات في أجواء وصولنا لمطار بكين قبل حوالي سبعة وستين عاماً. وصلنا بعد رحلة بدأت في مطار كانتون دامت ساعات عديدة قضينا أقلها في طائرة بمحركين وأكثرها في مطارات محلية نتزود بالوقود والتفاح لزوم إطعامنا. وصلنا منهكين والإنهاك بادٍ على زوجتي ليبلغنا طبيب الفندق أنها حامل، ولنبدأ على الفور رحلة شهور حمل شاقة.. ألزمتنا قلة الحركة.

قضيت ليلة الأمس، في بيتي بالشيخ زايد بحي أكتوبر بضواحي القاهرة، أنبش في أحداث تلك الأيام. تذكرت – بالنبش طبعاً – فرحتي، فرحة شاب بسيط.. بخبر حمل زوجته. وتذكرت في النفَس ذاته ضميراً طاله تأنيب ذاتي قوي.. لأنه سمح لزوجته، وهي دون العشرين وحامل، بالتبضع والتنزه في قوارب وشوارع وأزقة بانجكوك (عاصمة تايلاند)، ثم التبضع مرة أخرى – وبتوسع أشد، ولأيام أكثر – في مدينة هونج كونج. كنا ننفذ نصائح من كانوا على علم أكيد بأحوال بكين؛ وبخاصة صقيع شتائها وجدب أسواقها. وكانوا – كما كنا – على جهل مطبق بحمل زوجتي وقد جاء مبكراً.

وبالنبش أيضاً في الماضي – المحيط بظروف سبقت مولد ابني أو جاءت بعده – اجتمعت الأدلة على أننا.. زوجتي وأنا، عوملنا في الصين كعائلة.. معاملة متميزة، بالمقارنة بزملاء المهنة في مختلف السفارات المعتمدة في الصين. والأدلة هي كالاتي: 

(أ) خصصت الحكومة الصينية لنا شقة في العمارات الدبلوماسية، تتسع لعائلة أكبر، وحصلنا على أولوية في التخصيص. 

(ب) فور دخولنا الشقة لأول مرة، فوجئنا بمندوب أكبر محل لبيع الأثاث يزورنا، ليبلغنا بأنه كلف من وزارة الخارجية بتسهيل عملية تأثيث الشقة بأسعار مناسبة، وبالتجاوز عن قائمة الانتظار؛ وهي قائمة مطولة؛ باعتبار أن الأثاث وقتها يجري استيراده من الاتحاد السوفييتي. 

(ج) زارنا في المنزل رجل صيني متقدم في العمر وحليق الرأس.. قدم نفسه بأنه طباخ، كلفته وزارة الخارجية بالعمل لدينا، ومراعاة أن سيدة البيت حامل.. وفي حاجة لرعاية خاصة. عاشت زوجتي بقية عمرها تنسب فضل شهرتها في الطبخ إلى المستر «كان»، وعشت أنسب إليه الفضل في الاطلاع على جانب مهم من حياة الإقطاعيين الكبار في الصين قبل الثورة، ونمط حياتهم، وعلاقاتهم بالقصر الإمبراطوري. 

(د) حضرت سيدة صينية، كلفتها وزارة الخارجية بالعمل في بيتنا.. مرافقة لربة البيت، لحين الولادة. ولتتولى بعدها تربية الطفل. 

(هـ) سيدة أخرى أُلحقت بالعمل لدينا.. متخصصة في شؤون النظافة. 

(و) بالمقارنة مع العاملين والعاملات في شقق دبلوماسيين من دول أخرى، كانت مرتبات العاملين في بيتنا.. أقل من تلك التي تقررها وزارة الخارجية للعاملين في سفارات أخرى.

وقتها، سألت ذوي الخبرة – الأقدم في العمل بالصين – أجمعوا على أن التقاليد والأعراف الصينية.. تقرر أن من يولد في الصين، يستحق التكريم جنيناً كان قبل الولادة، أم رضيعاً، أم وقد صار شاباً أو كهلاً.

أعترف أن اليوم كان حافلاً بأعمال النبش في ماضٍ، دفعتني إليه المكالمة إلى ابنتي.. التي نقلت إليها خبر إصدار شهادة ميلاد مصرية للنجل العزيز المولود في بكين، شهادة تغني عن الشهادة الصادرة عن السفارة المصرية في بكين؛ وهي الشهادة التي احترقت – مع كافة مستنداتنا الورقية – في حادث احتراق الطائرة الهندية التي كانت تقلنا.. في نهاية رحلتي الأولى في الصين، منقولين إلى روما.

عادة، لا يطول معي النبش في ماضي موضوع إلى ما بعد يوم. في يومنا هذا طال حتى نهاية نهار ومطلع الليل. أطفأنا الأنوار واستعدت ابنتي للعودة إلى بيتها، وجمعت حزمة أوراقي وعدتي الإلكترونية، وأويت معهما إلى غرفة مكتبي. دقائق.. وبعدها سمعت الرئيس الأمريكي الحالي يتهم دولة الصين – وقد صارت عظمى في نظره، ومهابة في نبرة صوته – بتدبير اختراقات تمهد لتزوير الانتخابات التشريعية القادمة في الولايات المتحدة، ويهددها – أفلحت أو فشلت – بعظائم العقوبات.

فوراً عدت مرة أخرى أنبش في الماضي؛ ماض عشت بعضه، وقرأت عن أكثره. ماض معبأ بأبشع صور المهانة. ثم شريكاً مع الحاضر.. في تسجيل صور لمرحلة عشتها في بكين؛ مرحلة شهدت تخلص الصين من زمن المهانة، وإطلاق زمن المهابة.

ويستمر نبش الماضي.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة