Times of Egypt

بين أوباما وترامب

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

بعد طول انتظار، تم التوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد بشَّر قبل هذا التطوُّر.. نحو أربعين مرة – أو أقل قليلاً – بقرب توقيع الوثيقة، لكن في كل مرة.. كان يحدث ما يتسبَّب في التأجيل.

والرقم المذكور هنا، مأخوذ عن بعض أهم الفضائيات الدولية الرصينة؛ مثل «سي إن إن»، و«فرنسا »24. وهو ما يعود – في جانبٍ كبيرٍ منه – إلى أن «عُقدة أوباما» ظلت تسيطر على دونالد ترامب طوال الوقت، وذلك لأنه بعد أن وصف الاتفاق النووي لعام 2015.. بأنه «من أسوأ الاتفاقات التي تم التفاوض عليها في التاريخ»، أصبح أمام تحدٍّ كبير.. يختبر قدرته على أن يقدم اتفاقاً أفضل. لكن القراءة الأولية.. لما هو منشور عن مذكرة التفاهم بين البلدين، تكشف عن أن إدارة ترامب للصراع جعلَت المقابل لرفع الحصار البحري – المفروض على إيران – واستئناف صادراتها النفطية.. هو تحرير إيران للملاحة البحرية، وحركة السفن التجارية في مضيق هرمز(مع تأجيل التفاهم مع عُمان.. على شكل إدارته في المستقبل). كما أنها جعلَت وقف العمليات العسكرية بين البلدين.. مرتبطاً بوقف هذه العمليات على الجبهة اللبنانية، مع التزام أمريكي-إقليمي ببرنامج ضخم.. لإعادة إعمار وتنمية إيران (تُحَدِّد طريقة تنفيذه في الاتفاق النهائي).

وهذا معناه، أن إيران انتزعت – في هذه المذكرة المبدئية للتفاهم الموقعة في عام 2026 – اعترافاً أمريكياً بسيادتها المشتركة مع عمان على المضيق، وبنفوذها القوي في لبنان.. وهو ما يتجاوز بكثير مكاسبها من الاتفاق النهائي، الذي توصَّل إليه أوباما في عام 2015. وهذا في العموم.

على صعيد آخر، ظل دونالد ترامب يرفض – بإصرار، ومنذ ولايته الأولى – تجزئة عملية التفاوض بشأن البرنامج النووي إلى مرحلتين.. كما كانت تطرح إيران وبعض الوسطاء الإقليميين. ويمكن تفسير هذا الرفض.. بالتركيبة الشخصية للرئيس ترامب، التي تتعجَّل إنجاز الصفقات، وإعلان النصر التام. كما يمكن تفسيره بنظرة أوباما لإيران؛ كدولة تجيد المماطلة والتسويف في المفاوضات.. من أجل رفع العقوبات المفروضة عليها، دون تقديم تنازلات حقيقية.. تؤدِّي لتفكيك برنامجها النووي كما قال. لكن – في خلفية المشهد أيضاً – كان رفض ترامب لتجزئة التفاوض.. محاولة منه للهروب من شبح أوباما، وتجربته في التوصُّل لاتفاق 2015. ومعلوم أنَّ إبرام هذا الاتفاق.. كان قد مرَّ بمرحلتين أساسيتين؛ المرحلة الأولى.. هي الاتفاق المؤقَّت في نوفمبر 2013، الذي كان مقرراً أن يستمر لستة أشهر لا أكثر، لكن اقتضت الضرورة تمديده عدة مرات.. بموافقة الأطراف، حتى وصلنا لاتفاق فيينا في يوليو 2015.

ومن هنا، تأكيد ترامب على فكرة الاتفاق الشامل دفعة واحدة.. وفيه «كل ما نريده».. على حد تعبيره. لكن تطورات الحرب مع إيران، دفعَت الرئيس الأمريكي إلى القبول بتجزئة الاتفاق. وعلى أي حال، فإن له سابقة مشابهة مع الصين؛ عندما رفض في عام 2019 توقيع اتفاق جزئي.. لوقف الحرب التجارية الأمريكية-الصينية، ثم إذا به يوقِّع اتفاقاً مرحلياً معها.. في العام التالي.

ومع ذلك، فإن مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، لا تشبه الاتفاق المؤقت بين مجموعة «5+1» (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين) وإيران.. من حيث المضمون. وذلك أن مذكرة التفاهم.. تميَّزت بالعمومية الشديدة؛ فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، الذي من المفترض أنه يمثَل جوهر الصراع مع إيران. كما في تعهُّد إيران بعدم امتلاك أو تطوير أسلحة نووية (وهي أصلاً تقول ذلك بغضِّ النظر عن مصداقية ما تقول)، وقيامها بخفض التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية (بأي نسبة؟ غير معروف)، ومناقشة مستقبل المنشآت النووية مع الوكالة (كلام مرسل).

وفي مقابل ذلك، سيكون هناك رفع تدريجي للعقوبات الأمريكية والدولية.. وفق جدول زمني يتفق عليه الطرفان. وعلى هذا النحو، تكون مذكرة التفاهم قد أحالت كل النقاط المهمة.. إلى المفاوضات حول الاتفاق النهائي، التي ستجري على مدار شهرين.. قابلين للتمديد. 

أما الاتفاق المؤقت لأوباما وشركائه، فإنه – على العكس تماماً – دخل بعمق.. في لُب الموضوع النووي، وانطوى على درجة عالية من التفصيل التي تخصُّه. إذ يجد القارئ للاتفاق المؤقت بنوداً تخص خفض نسبة التخصيب إلى 5% (وهي النسبة التي جري تخفيضها في الاتفاق النهائي إلى 3.67%)، وتسييل أو تخفيف مخزون إيران من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 20% (وهو ما اتُفق على نقله لاحقاً إلى روسيا)، بالإضافة إلى قيود تخص منشأتي نطنز وفوردو، ومفاعل آراك للماء الثقيل، ودور مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذا كله على الجانب الإيراني.

أما على جانب الدول الأخرى – الأطراف في الاتفاق – فإن تعهداتها شملت تعليق بعض العقوبات.. على تجارة الذهب والمعادن الثمينة، وصناعة السيارات والبتروكيماويات، والإفراج المتدرِّج والمشروط.. عن بعض المبالغ المجمَّدة من عائدات النفط الإيراني، وفتح قنوات مالية.. لتسهيل الواردات الطبية والتعليمية. بعبارة أخرى، فإن الاتفاق المؤقت، قدَّم ما يمكن اعتباره هيكلاً شبه كامل.. للاتفاق النهائي، ولذلك فإن المفاوضات التي أفضت إليه.. كانت هي الأطول؛ حتى إنها استغرقَت حوالي عشر سنوات، بينما كانت المدة الفاصلة بين الاتفاق المؤقت وبين الاتفاق النهائي.. حوالي 19 شهراً.

إذن، مشى ترامب في نفس الطريق – الذي مشى فيه أوباما من قبله – وخرج علينا بمذكرة للتفاهم مع إيران.. في انتظار الاتفاق النهائي، وهذه مهمة ليست باليسيرة أبداً. فهناك تاريخ من الشك العميق بين الولايات المتحدة وإيران، وتحفُّز إسرائيلي شديد.. لتخريب أي تقدُّم محتمل في المفاوضات. ويكفي هنا أن نطل إطلالة سريعة.. على بعض مقالات الصحف الإسرائيلية، التي تتحدث عن الاستسلام الأمريكي لإيران؛ لنتبيَّن كم الضغوط المتوقعة من اللوبي الصهيوني على الرئيس الأمريكي. وهناك بالإضافة إلى ذلك سقف إيراني عالٍ، وفَّرته لها مذكرة التفاهم.. ستدخل به إلى المفاوضات المرتقبة.

وبالتالي، فإن أخشى ما أخشاه.. هو أن السؤال الصحيح، لم يعد ما إذا كان الاتفاق النهائي لترامب.. سيكون أسوأ أم أفضل من اتفاق أوباما، بل أصبح السؤال هو.. ما إذا كان سيتم التوصُّل لاتفاق نهائي من الأصل؟.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة