عادل نعمان
وجب علينا أن نرد على التهم الموجهة إلى الدولة العلمانية.. بتدهور القيم الأخلاقية، وانهيار المُثل والمبادئ والفضائل فيها. فهكذا صوَّروا، وصدَّروا للناس.. العلمانية في صورتها المشينة والرديئة، حتى أصبحت العلمانية سيئة السمعة عند الغالبية، ولقد سمعت أحدهم يقول «إن العلمانية تعني أن ينكح الولد أمه وعمته وخالته، وبيوت العلمانيين مفتوحة للدعارة لكل من هب ودب»، حتى تصوَّر الناس أنهم.. إذا وطئت أقدامهم هذه البلاد.. سيجدون المواخير والحانات وبيوت الدعارة عن يمينهم وشمالهم، وأن النساء من فرط الانحلال، يتجولن عرايا.. يطلبن الرجال.. خصوصاً العرب.
ومع الإسراف في القسَم والحلفان، والأيمان المغلظة.. يتصوَّر الناس أن الأمور قد فلتت في هذه البلاد، وتهدد عالمنا الشريف النظيف العفيف!! ولم يتساءل الناس.. إذا كانت هذه البلاد قد طفحت بالرذائل والخطايا، فمن الذي اخترع وأنتج وأفاض، وسيطر وهيمن على العالم بالعلم والعمل والقوة؟ ولماذا تأخرنا وهرمنا وتخلفنا؛ ونحن بلاد العفة والشرف والأمانة والدين؟ ولا أتصوَّر أن أمة من الأمم تصل إلى هذا الرخاء والسعة والرغد من العيش، إذا اكتفت بالهزل دون الجد، والجهل دون العلم، والسُّكْر.. دون الوعي، إلا إذا ركبتهم الشياطين والعفاريت والمردة، واستعبدوهم وسخَّروهم لخدمتهم فأطاعوهم.
والأمر ببساطة.. أن منهج العلمانية في إدارة شؤون الدولة شيء، وما استقر عليه الناس من سلوكيات وعادات وتعامل إنساني ومجتمعي شيء آخر. والقيم الإنسانية.. هي ما استقر عليه الناس، ووافقوا عليه وانتخبوه وشرعوه وقننوه، وارتضوه سلوكاً عاماً.. يمارسه الناس بحرية ورضا.
تختلف هذه القيم من بلد لآخر، فما تراه دولة من الدول فضيلة.. ترفضه دول أخرى، وما نراه رذيلة.. يراه غيرنا مقبولاً ومحموداً. والأمر هنا ليس مردوداً للحلال والحرام فقط، بل تعداه إلى قانوني وغير قانوني. ولا يقيد الناس في أمورهم.. إلا أنفسهم؛ فإذا وافقوا أمراً في العلاقات، أقروه وقننوه. وإذا رفضوا أمراً في العلاقات أيضاً، تمرَّدوا عليه ورفضوه وعدَّلوه. فلا أفعال وتصرفات وسلوكيات.. دون حاجة، ولا قانون.. إلا بموافقة مجتمعية.
من حقنا الآن، أن نقول إن القيم مرهونة بقبول الناس وإقرارها وانتخابها؛ تتغير وفقاً للعوائد والمنافع والاحتياج، ولا يهم إطلاقاً.. قبول – أو رفض – الآخر. فما يقرره الناس وينفعهم.. هو الصح وهو الصواب والحقيقة. ولا تنسَ عزيزي القارئ حين نزل الإسلام.. أبقى على ما كان سائداً من عادات وتقاليد حدود ومعاملات، وأفعال وسلوكيات.. قد اتفق الناس ووافقوا عليها. وتبعهم الإسلام على ما ألفوه، وعاشوا تحت مظلته.. دون صدام أو تعارض أو مواجهة؛ منها ملك اليمين، والتسري بالسبايا والنساء؛ وقد كان في زمن الأوائل سلوكاً مجتمعياً مقبولاً، وأسلوب حياة وافق الإسلام على استمراره، ولم يصطدم به؛ بل تركها ونسقها ورتبها على حالها، وكانت حافزاً على استمرار الدعوة ونجاحها، وكان الرق ضرورة.. لتسيير حركة الاقتصاد. وكان وجوده، وحمايته من مطالب التحرُّر في أوانه.. أمراً مقضياً، حتى قال الرسول (أيما عبد أبق من مواليه، فقد كفر حتى يرجع إليهم).
مؤسسة الرق هذه.. كان من الضروري الحفاظ على وجودها، واستمرارها.. للحفاظ على مظاهر الحياة، وهذا موقف الأديان كلها، حتى حان الوقت.. الذي شعر فيه الناس أن هذه العلاقة قد تخطاها الزمن وعبرها، وطواها.. كما طوى غيرها من المبادئ والمعايير التي كانت سائدة، إلى بديل (حال الممكن) أكثر إنسانية.. إذا توفر، بعيداً عن الاستغلال والقهر والظلم.
أما عن المثال الأكثر صراحة فهو المثلية الجنسية، وتعالوا معاً لتوضيح هذا الأمر؛ هذه أمريكا العلمانية، بين فريقين؛ الحزب الديمقراطي مفرط في حرية المثليين.. أشد ما يكون الإفراط، وترك الحبل على الغارب. والحزب الجمهوري متشدد غاية التشدد.. حتى إن ترامب – في خطبه – قال إنه لا يعترف إلا بنوعين فقط.. «أنثى وذكر»، ولا يعترف بجنس آخر، في الوقت الذي يداهن ويراهن ويعترف ممداني المسلم – عمدة مدينة نيويورك – بالمثليين، بل ويداعبهم ويلاعبهم ويتقرَّب منهم!! وليس الأمر بغريب. ثم تعالَ إلى الصين أو روسيا – وهي دول علمانية – تتعامل مع هذه القضية بتحفظ شديد، وتحاول حل هذه الظواهر بأسلوب علمي.. قدر الإمكان، عكس دول عربية.. تُخفي رأسها في الرمال، هروباً من الاعتراف بتفشي الظاهرة، دون البحث عن أسلوب علمي للتعامل معها. وهذا هو جوهر الدولة الحديثة، فإن المنهج العلمي.. هو طوق النجاة من كل الأخطاء والعيوب.
خلاصة القول، لا حظر ولا مانع.. من نقل المنهج العلمي، والاكتشافات والنظريات الاقتصادية، ومناهج الحكم «العلمانية».. خالصة دون القيم المرفوضة، وتبقى القيم المجتمعية لكل مكان وزمان.. قائمة وموثقة على حدة، دون مساس. تتغير بتغير ظروفه وأحواله.
«الدولة المدنية هي الحل».
نقلاً عن «المصري اليوم»