د. أحمد يوسف أحمد
يطرح هذا المقال.. فكرة أن الهجوم الإيراني الأخير على إسرائيل، قد انطوى على جديد في مباريات الردع المستمرة بين إيران وإسرائيل؛ منذ تبلور النهج الإيراني المعادي لها بعد ثورة 1979، وبصفة خاصة منذ الهجوم الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية بدمشق.. في شهر أبريل 2024، والرد الإيراني عليه. ويهتم المقال ببيان هذا الجديد ودلالاته وتداعياته، ولكي يتم التحقق من هذه الفكرة، لا بد من التذكير بالمفهوم العلمي للردع؛ لأنه – كما هو الحال في مصطلحات علمية كثيرة – يكون الانطباع غير المتخصص.. مجافياً للمعنى الدقيق للمصطلح؛ فالبعض – مثلاً – يفهم الردع باعتباره تأديب الخصم، وإنزال العقاب القاسي به. بينما الأصل فيه.. فكرة تجنب استخدام القوة في إدارة الصراعات، بمعنى أن يوجه طرف – في أحد المواقف الصراعية – تهديداً لخصمه.. بإنزال عقاب موجع به (قد يكون عسكرياً أو اقتصادياً أو دبلوماسياً … إلخ)، إن قام بعمل يُلحق ضرراً بمصدر التهديد، (كأن تهدد إسرائيل بضرب ضاحية بيروت الجنوبية.. إن أقدم «حزب الله» على ضرب مستوطنات الشمال)، أو إن لم يفعل ما يطلبه مصدر التهديد منه؛ (كتهديد ترامب لإيران بإبادة حضارتها(!) إن لم تفتح مضيق هرمز).
ويتوقف نجاح الردع.. على شدة التهديد وصدقيته، فعندما يكون مصدر التهديد ضعيفاً.. تكون صدقيته أقل، كذلك عندما يتكرر التهديد.. دون أن يُنَفََّذ، تتآكل صدقيته بالتدريج. فإذا حقق التهديد هدفه، اعتُبِر الردع ناجحاً.. لتحقيق الهدف مع تفادي الاستخدام الفعلي للقوة. أما إذا لم يُفضِ التهديد لانصياع الخصم، فقد يلجأ مصدر التهديد – كي يُكسبه صدقية أكثر – إلى الاستخدام الفعلي للقوة.. على نحو محدود في البداية عادة؛ كرسالة للخصم.. مفادها ما يمكن أن يصيبه لو واصل عناده، وقد يُضْطَر مصدر التهديد لتوسيع التوظيف الفعلي للقوة.. حتى يحقق هدفه، اللهم إلا إذا أظهر دفاع الخصم من المقاومة والصمود، بل والقدرة على إلحاق الضرر بمن يهاجمه.. ما يجعله يراجع حساباته، ويجنح إلى السلم؛ كما شاهدنا في المواجهة الأخيرة مع إيران. وفي هذا السياق، يمكننا محاولة الإجابة عن السؤال الذي يثيره المقال: ما الجديد في آخر جولة من جولات مباريات الردع الإسرائيلية-الإيرانية؟
يمكن القول إن السمة العامة لهذه المباريات.. هي فشل التهديدات اللفظية، ومن ثم اللجوء إلى التوظيف الفعلي للقوة، فبنية الصراع الإسرائيلي-الإيراني.. تنطوي على درجة عالية من التعارض في الأهداف، ودرجة معقولة من التوازن في القوى، بما يجعل انصياع أيٍّ من طرفي الصراع لمطالب خصمه.. عملية يستحيل إتمامها بمجرد التهديد اللفظي. وفي هذا الإطار، شهدت المواجهات العسكرية الإسرائيلية-الإيرانية المباشرة.. 5 جولات، يفترض المقال أن الأخيرة منها، تنطوي على جديد؛ وقد وقعت الجولة الأولى في أبريل 2024، عندما ضربت إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق مطلع ذلك الشهر، وردَّت إيران بعد قرابة أسبوعين.. بهجوم صاروخي على إسرائيل، التي ردَّت على الهجوم بطبيعة الحال. ثم جاءت الجولة الثانية في أكتوبر 2024.. بهجوم إيراني صاروخي، رداً على اغتيال إسرائيل إسماعيل هنية وحسن نصر الله. وردَّت إسرائيل بـ 3 موجات هجوم جوي واسع. ثم كانت الجولة الثالثة في الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو 2025؛ وبالذات.. كل ما يتصل ببرنامجها النووي. وردَّت إيران، واستمرت المواجهات 12 يوماً.
أما الجولة الرابعة، فهي تلك التي وقعت في نهاية فبراير 2026، وكانت الأخطر.. لأنها مثَّلت أول هجوم إسرائيلي-أمريكي رسمي مشترك.. في تاريخ علاقات البلدين. ونتيجة لصمود إيران، وتوجيهها ضربات مؤثرة.. لإسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة، ناهيك بالتداعيات على أسواق الطاقة.. أعلن ترامب في 8 أبريل وقف إطلاق نار لأسبوعين، بشرط الفتح الفوري والكامل والآمن لمضيق هرمز، وهو الوقف الذي ظل سارياً.. رغم حدوث خروقات بعضها مهم. وأخيراً، تمثلت الجولة الأخيرة في الهجوم الإيراني على إسرائيل في 7 يونيو، بسبب غارتها على ضاحية بيروت الجنوبية. وكان ترامب قد أعلن للمرة الأولى – التوصل لوقف إطلاق نار بين «حزب الله» وإسرائيل.. في 16 أبريل 2026، وفُهم لاحقاً أن معادلة هذا الوقف، مفادها امتناع إسرائيل عن ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، مقابل امتناع «حزب الله» عن مهاجمة إسرائيل. فلما انتهكت هذا التفاهم – بغارتها على الضاحية في 6 يونيو – ردَّت إيران برشقة صاروخية لإسرائيل في اليوم التالي، وبالمثل ردَّت إسرائيل بضربات لإيران فجر الإثنين 8 يونيو، ثم تم التفاهم – بوساطة أمريكية – على الاكتفاء بهذا القدر من التصعيد.
ومن السهولة بمكان، ملاحظة الجديد في هذه الجولة الأخيرة، وهو أن إيران وَسَّعت نطاق مبررات المبادرة بالهجوم على إسرائيل؛ ففي الجولة الأولى، جاء رداً على استهداف القنصلية الإيرانية بدمشق – وهو هدف سيادي إيراني – وجاءت الثانية رداً على اغتيال إسماعيل هنية على الأرض الإيرانية، بالإضافة – بطبيعة الحال – لخسارتها الجسيمة باغتيال حسن نصر الله.
أما الجولتان الثالثة والرابعة، فكانتا رداً على عدوانين سافرين على إيران.. في يونيو 2025، وفبراير 2026. ويلاحظ في هذه الجولة، أن الهجوم الإيراني جاء رداً على غارة إسرائيلية.. بلا دلالة واضحة على ضاحية بيروت الجنوبية.. خرقاً لتفاهم متبادل؛ أي أن إيران توجه – بهذا الهجوم – رسالة، تؤكد فيها أولاً أنها لا تتهاون في أي خرق لتفاهمات.. مهما كان ثانوياً. وثانياً.. ترابط المسارين اللبناني والإيراني، وهو بالنسبة لها بديهي، لأن «حزب الله» دخل الحرب بعد الهجوم على إيران، وليس بعد الخروقات الإسرائيلية العديدة.. لاتفاق نوفمبر 2024 مع لبنان. فليس معقولاً أن تتوصل لتسوية.. وتتركه في قارعة الطريق، وهو منطق يبدو أن ترامب بدأ يقبله؛ بدليل أنه نصح نتنياهو بعدم الرد. وهي نصيحة تعني نهايته (نتنياهو) سياسياً. ولذلك تسامح (ترامب) مع تمرد نتنياهو عليها. لكنه كان قاطعاً في تصريحاته العلنية.. أن مواصلة إسرائيل للحرب، سيعني أنها ستكون وحيدة. وثالثاً وأخيراً، فإن إيران – بهذا الهجوم – تؤكد قوة موقفها التفاوضي، وهو ما يفتح الباب واسعاً لنقاشات عديدة.. حول تصريح ترامب بأنه سيعلن «النصر الحاسم» على إيران.. في غضون أسبوعين!.
نقلاً عن «الأهرام»