Times of Egypt

«التيه العربي».. مشروعاً للمستقبل..!

M.Adam
مصطفى حجازي 

مصطفى حجازي

منذ قرابة 12 عاماً.. في لقاء جمعني وقائد دولة عربية شقيقة، كان الحديث عن تجليات النظام العالمي الجديد. سألني عما أراه شخصياً.. من ملامح ذلك النظام البازغ. أشرت إلى واقع «السيولة الاستراتيجية»، الذي استشرى منذ أن تبدَّى عجز «القطب الأمريكي» الأوحد.. عن ضبط سلام العالم منفرداً، مهما شُرعِنَ ذلك.. بنظريات صدام الحضارات، وتُرَّهات نهاية التاريخ. 

أبديت تفصيلاً، ما أعتقده.. بأننا بصدد ما أسميه «صراع السرديات الكبرى»؛ حيث لا يقتصر التنافس على الاقتصاد والجيوش فحسب، بل يمتد إلى «مشروع قومي».. يحمل رؤية كونية للعالم، وطموحات استدامة البقاء والهيمنة.. لـ «أمة أو قومية»، ترى في نفسها تفرداً حضارياً، أو تمايزاً في القدرة.

تعرف تلك القوميات.. ماذا تريد لنفسها، وماذا تريد من غيرها ولغيرها. ومهما تبدَّى من تغوُّل أطروحاتها القومية في حق الآخرين، بل واعتدائها على مقدراتهم وميلها الاستعماري. أو مهما تبدَّى من رغبتها في التعاون والتعايش، وخلق كوكب أفضل.. فلا تثريب عليها؛ كونها تمثل مصالح قومياتها – كما تراها هي – بعين هويتها الحضارية ومنظومتها القيمية. 

لو اتفقت ميادين التنافس، ومرامي السبق؛ كالهيمنة التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية.. بل والفضائية، تظل أسباب القدرة على التحقق أو السبق.. مرتهنة بمدى إيمان كل قومية بأسس ومحددات هويتها، التي على إثرها تقرر أولوياتها، وتحدد صواب مسارها وخطأه. 

ببساطة أكثر، الصين تقفز في مضمار التكنولوجيا.. لتهيمن وتقود. ولولا «سردية صينية» متماسكة، تعرف ماذا تريد لقوميتها.. وما لا تريد، لما كان هناك إيمان.. يجمع تلك الأمة، ولما أتى إبداع صيني مغاير.. يسبق ويعلو ويلهم. ولبقي الأمر انتحالاً لقشرة مدنية، سرعان ما تسقط.. لأنها غير ملتصقة بجوهرها القومي والحضاري. 

ذكرت للقائد العربي البارز، أننا بصدد 8 أطروحات؛ 4 منها «سرديات عالمية مؤسسة»، وما مثلها من 4 «سرديات إقليمية وازنة».

… فأما عن الـ 4 المؤسسة.. فأولاها: «أطروحة أمريكية غربية».. تنتقل من وهم القطب الأوحد، إلى ضمان الهيمنة التكنولوجية.. مع القبول بالشراكة وتقاسم فضاءات النفوذ. ثانيها: «أطروحة صينية»، تعتمد «التنمية السيادية» لا الهيمنة العسكرية.. سبيلاً؛ من خلال ربط بنيوي للعالم في مبادرة «الحزام والطريق».. التي بها تسود العالم اقتصادياً. ثالثها: أطروحة «روسية قيصرية».. تقوم على «الأمن الصلب».. تسعى لإعادة إحياء المجال الحيوي السوفيتي/القيصري. ورابعها: «سردية هندية» – أو أطروحة «الجسر الاستراتيجي» – فالهند تقدم نفسها كقوة لا يمكن الاستغناء عنها.. مدعية أنها هي «صوت الجنوب العالمي» الصاعد.

أما عن السرديات الإقليمية الوازنة؛ فأولاها: أطروحات القوى الإقليمية الكبرى – إيران وتركيا ومصر – وكلها يستند إلى «العمق التاريخي والإمبراطوري»؛ حيث توظِّف إيران الأيديولوجيا والجيوسياسة، بينما توظِّف تركيا «العثمانية الجديدة» كقوة ناعمة وخشنة، وتقيم مصر أود المشروع العربي.. بقوتها الإبداعية الناعمة، وطاقتها الديموجرافية، ثم بوزنها العسكري. 

وعلى تخوم الأطروحات الإقليمية.. هناك سردية «القومية اليهودية» لإسرائيل؛ وبها خليط من تُرَّهات الأساطير الدينية، واعتماد جوهري على التمايز في تراكم القدرة والثروة من الصهيونية العالمية.. بكل ظلالها من يهودية ومسيحية ولا دينية. 

ثم «الأطروحة اللاتينية» التي تسعى إلى «استقلال استراتيجي» عن الولايات المتحدة.. يكسر الهيمنة التقليدية عبر.. تبنِّي الحياد النشط، والارتكاز على دبلوماسية الموارد، وتكامل لاتيني مؤسسي.. يدمج العدالة الاجتماعية والقومية البيئية. 

وأخيراً أطروحة «الاستثناء الأفريقي».. متمثلة في مشروع «الاتحاد الأفريقي 2063».. الذي يسعى لتحويل القارة من ساحة صراع دولي، إلى «كتلة تفاوضية» واحدة.. تعتمد على الموارد والشباب.

… قلت لجليسي، أن لكلٍ من تلك المشروعات أو السرديات.. موقعه على طاولة النظام العالمي الجديد، حتى وإن تفاوتت الأوزان الاستراتيجية للحضور.. وللعرب موقعهم – الذي لا يقبل الفراغ.. وإلا تجاذبته أهواء ومصالح القوميات الأخرى؛ وبخاصة اليهودية والفارسية والغربية.

 كنت قاطعاً، حين أشرت إلى أن العلاقة بين تلك السرديات.. هي مراوحة بين التنافس البنَّاء الذي يعضد التعاون والتكامل.. وبين الخصومة والعداوة التي تحض على التعامل الضروري الحذر. وكنت أكثر وضوحاً في الحالة العربية، بأن الأطروحة الإيرانية ستبقى في موقع التدافع الخشن، المنبني على الخصومة الفارسية التاريخية مع العروبة. وأن الأطروحة الإسرائيلية ستظل في موضع العداء الوجودي.. لكل ما هو عربي أو إسلامي.. وستظل قائمة على الصدام الصفري مع الوجود العربي معنوياً ومادياً.

الآن – وبعد قرابة الـ 12 عاماً، على هذا الاستشراف والحوار – وكوننا نحن – لا غيرنا – في فوهة بركان جيواستراتيجي يزلزل الكيان العربي.. هل تظل الأطروحة العربية غائبة أو مغيبة.. أم ترانا نستطيع أن نتلمس لها مخاضاً!؟ وإن لا ننكر على بعض أقطارنا العربية.. ما نلمحه من السعي إلى ترسيخ ما أسميه «البراجماتية السيادية» (بشكل منفرد).. في محاولات توطين القوة وتطوير الاستثمار العابر للحدود والانخراط في قومية السيادة التكنولوجية. إلا أن ما نلمحه أكثر.. هو الإصرار على جعل البراجماتية السيادية والقومية العربية ضدين! 

أما الأسوأ، فهو جعل الكفر بالقومية العربية – واستوزارها والتنصل منها عملياً.. إلا في شأن الفلكلور- شرطاً للحضور والتأثير العالمي. وفي هذا تفرُّد عربي جديد وغير حميد. فليست ثمة سردية – مما سبق لأي من القوميات – إلا والحديث عن خصوصيتها وأولويات مصالحها.. هي المحدد الأول للتحرك نحو المستقبل. 

لم تتنكر أي من القوميات لهويتها، ولم تنكر أي منها خصوصياتها! مأساة هذا التفرد الآثم.. تتبدى في أكثر صورها فجاجة، عندما تسفر عن مسميات جديدة؛ كأن تروج لقومية «خليجية» في مقابل «العروبة». وكأن تخلص إلى عقلانية، وضرورة التنصل من العروبة والإسلام.. بدعوى تهافت قدراتهما، وعجزهما عن نصرة دولنا في الخليج.. في وجه الاعتداء الإيراني الآثم. 

الأنكى مطلقاً.. أنه – ونحن نتلمس بناء سردية عربية، تصهر التحركات المنفردة الواعية.. لهذه الدولة أو تلك، في بوتقة «حضارية» واحدة – إذا بصخب عربي.. مصنوع مفتعل، ينادي بالتماهي في الأطروحة الإسرائيلية.. بدعوى ضمان المصالح البراجماتية لشعوب المنطقة. وكأن منا – نحن العرب الآن – من يطلب الملاذ، ويستقى الوجهة.. من قوم التيه والتشرذم. وكأن منا من يرجو «التيه العربي».. مشروعاً للمستقبل!. 

فكروا تصحوا..

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة