Times of Egypt

هل تتخلص أوروبا من ارتباكها؟

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

(1) أوروبا وحالة الارتباك 

يعكس الموقف الأوروبي من الحربين ـ الحرب الإسرائيلية على غزة، والحرب الأمريكية/ الإسرائيلية على إيران ـ تناقضاً كبيراً في معايير السياسة الخارجية الأوروبية. فبينما اتسمت ردة الفعل الأوروبية بالانحياز – دعماً أو صمتاً، بدرجة أو أخرى – للكيان الصهيوني الإبادي.. التدميري حيال غزة البشر والحجر، فإن حالة من «الارتباك».. قد أصابت الموقف الأوروبي حيال الحرب على إيران. 

ذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية – الشريك الأطلسي التاريخي – قد اتخذت قرار الحرب بالمشاركة مع الكيان الصهيوني ـ ليس فقط ـ دون أي تنسيق مع المنظومة الأطلسية الأوروبية، بل دون مراعاة للوضع الحرج الذي تعانيه أوروبا.. جراء الحرب الروسية الأوكرانية، التي اندلعت قبل 4 سنوات. فمنذ قيام الحرب الأوروبية في 2022، تعطلت كل مشروعات التعاون في مجال الطاقة؛ النفط والغاز، التي كان من المزمع أن تتطور بين روسيا ودول أوروبا. ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر استيراد الطاقة، ومن ثم اتجه إلى دول الخليج.. لتعويض ما كان يُضخ من روسيا. 

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.. تمر عبر مضيق هرمز. وفي هذا المقام، يشير تقرير نشرته CNN الاقتصادية، إلى أن «إجمالي مستوى تخزين الغاز تحت الأرض في الاتحاد الأوروبي بلغ – قبل أيام من اندلاع الحرب – نحو 36%؛ وهو أدنى مستوى له في هذا الوقت من العام منذ شتاء 2021-2022، عندما كانت أوروبا لا تزال تعتمد على الغاز الروسي.. عبر خطوط الأنابيب». لم يتوقف الأمر عند التواصل مع دول الخليج، بل نهجت أوروبا نهجاً منفتحاً ـ مخالفاً ومغايراً للنهج الأمريكي ـ على إيران.. في إطار تعويض نقص التدفقات «الطاقاوية» الروسية.. كيف؟

(2)  الاحتواء الأوروبي مقابل الردع الأمريكي ــ الإسرائيلي 

تبنَّى الاتحاد الأوروبي – حسب التقرير الاستراتيجي العالمي للاتحاد الأوروبي – سياسة مفادها: «التعاون مع مجلس التعاون الخليجي والبلدان الخليجية منفردة. وانطلاقاً من الاتفاق النووي الإيراني وعملية تنفيذه، سيُشرك الاتحاد الأوروبي أيضاً تدريجياً.. إيران، في مجالات مثل التجارة والأبحاث والبيئة والطاقة، ومكافحة الاتجار والهجرة والتبادلات المجتمعية. وسيعزز الحوار مع إيران وبلدان مجلس التعاون الخليجي.. حول الصراعات الإقليمية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، ساعياً لتفادي انتشار عدوى الأزمات القائمة، ومعززاً التعاون والدبلوماسية». 

ذلك لأن مصلحة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والجيوسياسية ،«تكمن في تشجيع العثور على أرضية مشتركة مع إيران ودول الخليج». في هذا المقام، «اضطلعت أوروبا بتحديث البنية التحتية الصناعية لإيران». وبحسب ورقة بحثية صدرت عن «معهد بروكينجز» اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تشجيع الشركات الأوروبية ـ خاصة المتوسطة والصغيرة ـ على توثيق الروابط التجارية مع إيران.. في العديد من المجالات، والعمل على تجنيبها الوقوع تحت طائلة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية. 

وفي ضوء ما سبق، بلورت أوروبا استراتيجية تقوم على احتواء أي صراعات.. قد تندلع في إقليم الشرق الأوسط عامة، وفي منطقة الخليج العربي – وما بها من ممرات ومنافذ مائية حيوية – خاصة. وهي استراتيجية افترضت عدم الانفراد الأمريكي/الإسرائيلي باتخاذ قرار يعتمد الردع العسكري الشامل لإيران، ولأذرعه في الإقليم؛ الأمر الذي من شأنه الإخلال بهذه السياسة، ويسبب ضرراً مباشراً بمصالح أوروبا.. التي من المفترض أنها طرف شريك للولايات المتحدة الأمريكية. بلغة أخرى، فإن الانخراط العسكري الأمريكي/الإسرائيلي.. خارج إطار التنسيق الأطلسي، يُعد عامل إرباك يناقض الاستراتيجية الأوروبية.

(3)  ما العمل؟ 

في هذا الإطار، يرى المعهد الملكي للشؤون الدولية – المعروف باسم (تشاتام هاوس) في لندن – أن «الدول الأوروبية تعاني من وزن استراتيجي محدود». لذا يصف تقرير CNN الاقتصادية (الصادر في 9 مارس الماضي من إعداد ميري راغب).. أوروبا، بأنها «في موقف المتفرج القلق؛ فهي تفتقر إلى القوة العسكرية الموحدة للتدخل»، أو القادرة على التأثير/الردع في الحد الأدنى (يشار إلى أن عدداً من الدول، من بينها بريطانيا وألمانيا.. أعلنت أنها لن تشارك في الحرب، إضافة إلى إسبانيا التي نددت بها).

وعليه – وحتى تتخلص أوروبا من ارتباكها – يجب أن تعمل وفوراً على ما يلي: 

أولاً: تعظيم قدراتها العسكرية، أو ما بات يُعرف بـ«عسكرة أوروبا».. وهو ما ألقينا عليه الضوء منذ فترة؛ بما يمكنها من حماية مصالحها الاقتصادية عامة، و«الطاقاوية» خاصة.. عبر تأمين الممرات/المنافذ المائية الحيوية، ومن ثم ضمان تدفق الطاقة.. دون الاعتماد الكلي على الأساطيل الأمريكية (نذكر بما طرحه ماكرون، وكتبنا عنه قبل عدة أسابيع، من تبنِّي فرنسا استراتيجية «الردع النووي المتقدم»). 

ثانياً: تنويع مصادر الطاقة بشكل أكبر – حسب رأي رسول – الباحث في الشؤون الاقتصادية الأوروبية، عبر الاعتماد المكثف على الغاز النرويجي والجزائري، والتوسع في محطات استقبال الغاز المسال (LNG) .. من الولايات المتحدة ونيجيريا، وتسريع التحول نحو الهيدروجين الأخضر.. المنتج في شمال أفريقيا، كبديل مستقبلي. 

وبعد، فإن ارتباك أوروبا يعبر عن مأزق أعمق.. يتجاوز الحدث العسكري التدميري الراهن، ويتعلق بعجز الصيغة الأطلسية.. على أن تكون فاعلة من جهة، وعدم امتلاكها القدرة على تسيير مصالحها باستقلالية.. من جهة أخرى.

نقلاً عن «المصري اليوم«

شارك هذه المقالة