سمير مرقص
(1) الشرق الأوسط تاريخياً
ما الحرب الراهنة.. إلا حلقة في سلسلة ممتدة من الحروب بدأت بالحرب العالمية الأولى سنة 1914. تلك الحرب التي فرضت تقاسماً «جيو-اقتصادياً» و«تقسيماً جيو-سياسياً» بين بريطانيا وفرنسا.. لمقدرات إقليم الشرق الأوسط. تم هذا التقسيم/التقاسم.. وفق ما عُرف تاريخياً باتفاقية سايكس-بيكو، التي لم تكن تصوراً وقتياً، أو مجرد «لحظة تاريخية» عابرة.. كما كتب المؤرخ الأمريكي «دافيد فرومكين» (1932 ــ 2017) في كتابه الشهير بالغ الأهمية «سلام لإنهاء كل سلام: سقوط الإمبراطورية العثمانية وتشكيل الشرق الأوسط الحديث A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire & the Creation of the Modern Middle East»؛ ففي هذا الكتاب يشرح المؤلف تفصيلاً.. كيف تمت صياغة الشرق الأوسط، ليكون تحت إمرة القوة الاستعمارية. ويوضح المؤرخ البريطاني جيمس بار في كتابه: «سادة الصحراء Lords of the Desert» الصادر في 2018؛ كيف أن صياغة الشرق الأوسط مطلع العقد الأول من القرن العشرين، قد تشكلت كي تستجيب لمصالح القوتين الاستعماريتين التاريخيتين: بريطانيا وفرنسا. ولا شك أن التفكك التاريخي للدولة العثمانية، قد ساهم بقوة في تشكيل الشرق الأوسط، وتفعيل سايكس-بيكو عملياً.
(2) جديد الشرق الأوسط
كان الشرق الأوسط، إذن، اختراعاً استعمارياً بريطانياً ـ بالأساس ـ كذلك ليس إلا «مفهوم مجرَّد.. استراتيجي». وهو ما يؤكده المفكر والمؤرخ الكبير «ساطع الحصري» (1879 ـ 1968) بأن «الاختلاف حول مدلول الشرق الأوسط، يدل – دلالة قاطعة – على أن هذه التقسيمات والتصنيفات لا تستند إلى أسس ثابتة من الجغرافيا الطبيعية أو البشرية، إنما هي تقسيمات اعتبارية، تسعى إلى تقريرها سياسة الدول الغربية؛ حسب ما تقتضيه مصالحها الاقتصادية، والاستراتيجية والاستعمارية». لذا اتسم الشرق الأوسط – حسب ما أشرنا أكثر من مرة – بـ «بالمطاطية الجغرافية». بيد أن هذه الحقيقة لم تمنع أن يتسم الشرق الأوسط – بدرجة أو أخرى – بالوحدة الجيوسياسية، لتكون في خدمة الجغرافيا الاقتصادية للقوى الاستعمارية التاريخية، ووريثتها الأمريكية الصهيونية لاحقاً.
بمعنى آخر، كانت «سايكس-بيكو» نموذجاً لتنظيم الإقليم. إلا أن الحروب المتتالية – التي شهدها الإقليم تحت دعاوى الشرق الأوسط الجديد بداية من العقد الأخير من الألفية الثانية من جهة – وصعود قوى/أقطاب كبرى؛ كالصين وروسيا.. مع مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة من جهة أخرى، قد دفع تدريجياً إلى إعادة التشكيل الجيوسياسي للشرق الأوسط، ليس فقط لاستيعاب اللاعبين الجدد في الفضاء الشرق أوسطي، بل أيضاً لتعدد مجالات التنافس بين الدول، ومن خلفها «كارتلات Cartels»: التكتلات الاحتكارية العابرة للحدود في مجالات: النفط والغاز، والثروات المعدنية/الأحجار الكريمة والأسمدة والطاقة المتجددة والهيدروكربونات. كذلك السيطرة على الممرات المائية، والتحكم في سلاسل الإمداد، والاستفادة من الدول ذات الكثافة السكانية، كأسواق لتصريف المنتجات، وضمان حضور كل اللاعبين في المواقع الاستراتيجية.. من مطلات بحرية وممرات حيوية مائية وبرية، وحصار/احتواء/إعادة تأهيل النزعات الراديكالية – على اختلافها – التي تسعى للتحرر من الهيمنة التاريخية على الإقليم.
(3) الشرق الأوسط: جيوسياسات التشظي ـ التناهب
لم يعد، إذن، الشرق الأوسط التاريخي.. ساحة نفوذ تحتكرها قوى الاستعمار التاريخي في فترة ما بين الحربين العالميتين، أو موضعاً للصراع بين القوى الكبرى القديمة، ونلك الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى الكيان الصهيوني الإبادي، بل أصبح – مع مرور الوقت – فضاء «للتناهب» (من نَهْب) بين كل من: القوى الكبرى القديمة والصاعدة، والقوى الإقليمية مثل؛ إيران وتركيا، إضافة لإسرائيل، والدول المحورية الثروية والبشرية، إضافة إلى القوى اللانظامية والمرتزقة.
وظني أن هذا «التناهب».. سيؤسس لاقتصاد موازٍ، يحل محل الاقتصادات القومية.. أقرب في طبيعته إلى نمط التجارة العالمية في العصور الوسطى. ولعل الحديث عن الشراكة الأمريكية في السيطرة على مضيق هرمز، تعكس هذا النمط الاقتصادي التاريخي. وعليه لا بد من إدراك أن نموذج الشرق الأوسط التاريخي قد تهاوى، وأن الوحدة الجيو-سياسية التي كانت تميزه تاريخياً، قد حلت محلها جيوسياسيات متعددة؛ تتجلى في: استقطاع الخرائط، وتشكل تحالفات مختلفة متقاطعة، والدفع نحو الارتداد إلى الروابط الأولية على حساب الرابطة المواطنية/الوطنية، التي من شأنها الوقوف في مواجهة الأخطار التي تتهدد مواطني الإقليم. بلغة أخرى «تشظي» الإقليم إلى أقاليم.
الخلاصة.. نحن أمام تحول تاريخي لإقليم الشرق الأوسط إلى فضاء جيوسياسي مفتوح، يتكون من أقاليم عدة تهيمن عليها ـ لا قوى عظمى فقط على طريقة سايكس بيكو ـ بل قوى متعددة: كبرى قديمة جديدة، وإقليمية ومحورية ثروية وبشرية، ولادولتية… إنها لحظة «تشظي» تاريخي كبرى، تعيد تموضع موازين القوة المختلفة.. من أجل السيطرة الثروية بالأساس، ومن ثم الهيمنة السياسية والسطوة العسكرية. هذه هي الحقيقة التي تدحض الصراع.. باعتباره دينياً ومذهبياً. والخلاصة، الشرق الأوسط ينتقل – بفعل الحروب المستمرة وذروتها الراهنة – من مرحلة التقاسم الاستعماري، وتقاسم القوى الكبرى.. إلى التناهب متعدد القوى الفاعلة.
نقلاً عن «المصري اليوم»