لعبت باكستان دورا رئيسيا في جهود إيقاف الحرب بين إيران والولايات المتحدة والتي انتهت بإعلان رئيس وزرائها شهباز شريف عن اتفاق “فوري ودائم” لوضع حد للعمليات العسكرية هذا الأسبوع.
وأشارت باكستان إلى أنها ستواصل التحضير لمزيد من المحادثات فيما يتوقع أن تقام مراسم توقيع الاتفاق الجمعة في سويسرا.
– كيف باتت باكستان تلعب دورا رئيسيا؟ –
في آذار/مارس، بعد عدة أسابيع على اندلاع الحرب، أكّدت إسلام أباد أنها تنقل رسائل بين طهران وواشنطن.
وقوبلت المساعي الباكستانية لدفع طرفي النزاع للجلوس إلى طاولة المفاوضات بالثناء وبعض الدهشة.
لكن بالنسبة للمراقبين، بدا التطوّر منطقيا.
وقال سفير إسلام أباد السابق لدى طهران آصف دُراني لفرانس برس إن “الأمر الأهم كان مصداقية الوسيط. بدت باكستان مطابقة للمواصفات نظرا إلى أنها تحظى بثقة إيران والولايات المتحدة”.
وترتبط إيران وباكستان بعلاقات وثيقة إذ يتشارك البلدان حدودا يبلغ طولها 900 كيلومتر ويرتبطان بعلاقات ثقافية، علما بأن باكستان ذات الأغلبية السنيّة تضم ثاني أكبر عدد من السكان الشيعة في العالم بعد إيران.
وتعد علاقة إسلام أباد بواشنطن بالغة الأهمية وإن هيمن عليها التوتر أحيانا. وفّرت باكستان لحلف شمال الأطلسي طرق إمداد وتلقت مساعدات بمليارات الدولارات من الولايات المتحدة أثناء حرب أفغانستان، إلا أن هذا التفاهم تدهور عندما قتلت القوات الأميركية العقل المدبر لهجمات 11 أيلول/سبتمبر أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية عام 2011.
كما ترتبط إسلام أباد باتفاقية دفاعية مع السعودية وتقيم علاقات راسخة مع الصين، أكبر شريك تجاري لإيران.
– من يقود جهود السلام؟ –
عزّزت علاقات قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الشخصية نفوذ إسلام أباد. وبصفته قائدا عسكريا إقليميا نافذا، كان منير على معرفة بقادة الحرس الثوري الإيراني.
كما تربطه علاقة وثيقة بدونالد ترامب الذي يتحدّث عن منير بوصفه “المشير المفضل” لديه، وذلك بعد تعارفهما في أعقاب النزاع مع الهند الذي ساعد الرئيس الأميركي في التوسط فيه.
وبدأ منير، رئيس المخابرات السابق، ولايته كقائد للجيش عام 2022. وتزامن صعوده على الساحة الدولية مع ترسيخ السلطة العسكرية في باكستان، حيث جرى تمديد فترة ولاية المشير.
– ماذا حقّقت إسلام أباد؟ –
تعزّزت آمال التوصل إلى اتفاق ثم خابت بشكل متكرر منذ أعلنت باكستان وقفا موقتا لإطلاق النار في أبريل، أعقبه عقد محادثات تاريخية في عاصمتها بين وفدين إيراني وأميركي انتهت بدون التوصل إلى اتفاق.
كثّفت باكستان بعد ذلك نشاطها الدبلوماسي، إذ أجرى قادتها عشرات الاتصالات والاجتماعات مع أفرقاء إقليميين بينهم الرياض والدوحة وبكين وقاموا بزيارات لواشنطن وطهران. لكن تصاعدت حدّة القتال في وقت كان يتحدّث المسؤولون عن تحقيق تقدّم.
وسادت خلافات كبيرة بشأن المسائل المرتبطة ببرنامج إيران النووي والعقوبات ومضيق هرمز.
وقال دُراني إن “عملية الوساطة.. كانت بلا شك منهكة ومضنية”.
وأفاد السفير السابق بأن “باكستان تمتّعت تقليديا بسمعة إيجابية نظرا للغة التي تستخدمها في المفاوضات الثنائية والمتعددة الطرف”، وهي مهارات “كانت مفيدة” هذه المرّة.
وكثّفت قطر التي لطالما لعبت دور الوسيط في نزاعات حول العالم، انخراطها في العملية خلال الأسابيع الأخيرة إذ نسّقت مع باكستان التي شكر رئيس وزرائها المسؤولين في الدوحة “كأشقّاء في جهود الوساطة هذه”.
– ما هو دافع باكستان؟ –
تسببت أزمة الشرق الأوسط بارتفاع معدلات التضخم وأثارت خطر تصاعد النزاع عند حدود باكستان.
وباتت إسلام أباد بالتالي تواجه مرّة أخرى احتمال وقوع حرب في بلد عند حدودها مقابل جنوب بلوشستان حيث تتعامل السلطات بالفعل مع تمرّد متصاعد.
تسعى باكستان كذلك لكسب التأييد الدولي في نزاعين مع بلدين مجاورين هما أفغانستان والهند التي تهدد بقطع ممرات مائية حيوية.
وقال خبير شؤون جنوب آسيا لدى “مجلس الأطلسي” مايكل كوغلمان إن “باكستان أظهرت بشكل حاسم أن مساعي الهند لعزل باكستان في الساحة العالمية فشلت”.
– ما التالي؟ –
أورد كوغلمان “عبر النجاح في تصوير نفسها على أنها وسيطة سلام وصانعة سلام، تمكّنت (باكستان) من تغيير نظرة كثر في المجتمع الدولي كانوا يرون أنها دولة تعاني مشكلات عديدة وتفتقر إلى النفوذ”، مضيفا أن التحديات التي واجهتها بسبب الجماعات المسلحة على أراضيها كانت وراء “هذه المشكلة في صورتها في العالم”.
وتأمل باكستان على الأرجح أن يكون بإمكانها جذب الاستثمارات والمضي قدما في مشروع خط أنابيب غاز من إيران تعرقله العقوبات الأميركية.
وما زالت العملية بعيدة عن نهايتها، إذ لم يتناول الاتفاق الأولي بعد النقاط الأكثر إثارة للجدل بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو أمر يتطلب مزيدا من الدبلوماسية ويطرح في الوقت ذاته تحديات أمام إسلام أباد.
ولاحظ كوغلمان أن “باكستان كانت منفتحة جدا في إعلان دورها كوسيط، وهو ما عرّضها بالتأكيد لمخاطر معيّنة، مثل تحميلها المسؤولية إذا تدهورت الأمور.. لكنها كانت مستعدة لتحمّل نتائج هذه المخاطرة”.