وجيه وهبة
كثيراً ما نعود إلى الماضي.. وقائعه وأحداثه وناسه؛ ليس كمحاولة لاستعادة مستحيلة للزمن فهو – بحلوه ومره – لا يُستعاد إلا في الخيال. ولا لإثارة مشاعر «مازوخية».. تتمثل في حنين وأنين وحسرة على ماضٍ تولى. ولكن لأن التاريخ يُكتب ويُسجل.. لأهداف مهمة عديدة، ولعل من أهمها؛ الاتعاظ والتعلم من أحداثه، لتحاشي تكرار الوقوع فيما لا تُحمد عاقبته، من ناحية، ومن ناحية أخرى لنكرر ما ثبتت جدوى عواقبه.
وحينما نتناول – منذ أسابيع – قضايا فُتحت منذ مائة عام؛ مثل قضيتي كتابي «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ «على عبد الرازق»، و«الشعر الجاهلي» للدكتور طه حسين، فإننا نتناول قضايا، وإن كان ملفها القضائي والإداري قد أُغلق حينها، فإن ملفها الفكري والسياسي وآثاره.. ما زال مفتوحاً وفاعلاً في مجتمعنا بكل أبعاده، وبممثلي أطرافه المختلفة، منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا. فالأفكار لا تموت، وأعداؤها أيضاً.. لا يموتون.
مشعلو الحرائق – من معارضي كتابي «علي عبد الرازق» و«طه حسين» – لم يتورَّعوا عن اللجوء إلى أساليب رخيصة.. في استثارة مشاعر العداء عند عوام الناس وخواصهم، وتحريضهم على الكاتبين، وذلك بوصفهما بالملحدين.
و«الإلحاد» – وإن لم يكن مجرَّماً «قانوناً» – فهو دائماً مدعاة للازدراء والنبذ والعقاب الاجتماعي، في المجتمعات التي تسود فيها الأمية الهجائية والثقافية. المجتمعات التي ترفع من شأن النقل والحفظ والتلقين، وتحط من شأن العقل والتفكير والتدبير. وانظر على سبيل المثال – أحد كبار مشعلي الحرائق هؤلاء؛ «رشيد رضا» (ولا نمل عن التذكير بأنه كان «ملهماً» وأستاذاً لـ«حسن البنا») – كتب في عدد من مجلته «المنار» (مايو 1926) مقالاً بعنوان: «دعاية الإلحاد في مصر»، نعرض لبعض مما جاء فيه من غمز وهمز ولمز وتحريض، إذ يقول:
«ليس الإلحاد بجديد في مصر، وإنما الجديد هو الدعوة إليه، وتأليف الجمعيات لبثه وهدم الإسلام، وتأليف الكتب في الطعن على أعلام حكمائه المتقدمين، الذين يُعلي الإفرنج قدرهم كالغزالي وابن خلدون، والتنويه بمن اتُهموا بالكفر والإلحاد كالمعري، والإشادة بأدب من اشتُهر بالفسق والخلاعة كأبي نواس». ( وفي كل هذا يلمح «رشيد رضا» إلى «طه حسين» على وجه الخصوص).
ثم يعرج «رضا» إلى «جريدة السياسة» (جريدة الأحرار الدستوريين) ويتهمها بنشر الإلحاد: «.. حتى إنها بعد مناصرتها الشيخ علي عبد الرازق.. المجاهر باللادينية، اخترعت من عهد قريب معنى جديداً، زعمت أنه هو الذي يحل محل الدين.. في التكوين المعنوي للأمم والشعوب، وضم الملايين منهم إلى جامعة واحدة – وهو ما يعبرون عنه بالثقافة القومية».
ويواصل «رضا»، ويهاجم مفهوم الوطنية بالمعنى الاجتماعي العصري.. عند هؤلاء «الملاحدة».. (يقصد «طه حسين» و«علي عبد الرازق» وأمثالهما)، فمفهوم «الوطن» عندهم ضيق؛ «.. فالشريف الحجازي أو السوري والوثني الصيني أو المنشوري عندهم سواء،..». كان الرجل ضد المفاهيم الحديثة للدولة و«الوطن».. بوضوح وبلا مواربة. فالوطن، محل الانتماء عنده، هو «الإسلام»، لا تحده حدود الدولة الحديثة، وكأنما «مأثورات» «مرشد الإخوان المسلمين» الأسبق؛ «مهدي عاكف»؛ «طظ في مصر» و«لا مانع يحكمنا مسلم من ماليزيا»، ما هي إلا رجع صدى لآراء «رشيد رضا» منذ مائة عام، قبل تأسيس الجماعة بنحو العامين.
ويصف «رشيد رضا» – في مقاله هذا – «الجامعة المصرية» بالجامعة «الإلحادية»، بل ويصف نظام التعليم غير الأزهري كله بذلك، فيقول «..الجامعة المصرية ليست هي المدرسة التي بذرت بذور الكفر والإباحة في هذا القطر، بل بذرت هذه البذور في المدارس العصرية منذ وُجدت في مصر، وكذا الدولة العثمانية. وإنما الجامعة المصرية هي دوحتها، التي ظهرت فيها ثمرتها، إذ برز دكاترتها عُمي البصائر والأبصار- إحداهما أو كلتيهما – (وفي ذلك جلافة وسوء أدب، إذ يشير إلى كف بصر «طه حسين») يبارزون الدين والفضيلة الحرب جهراً.. بدون تقية ولا احتراس».
ولأن المعارك الفكرية لم تكن تخلو من الظلال السياسية، والتنافس الحزبي، إلى حد أن يزل رجل بحجم «سعد زغلول».. فينسى أنه «زعيم الأمة» – عن حق – ويتصرف كرئيس لحزب «الوفد»، فيسيء إلى كل من «علي عبد الرازق» و«طه حسين» (الأحرار الدستوريين) بعد صدور كتابيهما، ويسخر منهما، فيقول عن الأول؛ «إنه لا يعلم دينه»، أما عن الثاني؛ فحينما توجهت مظاهرة إلى مبنى البرلمان (الذي كان يترأسه) منددة بكتاب «في الشعر الجاهلي»، فقد خرج إليهم وخاطبهم قائلاً: «إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في هذه الأمة المتمسكة بدينها. هبوا أن رجلاً مجنوناً يهذي في الطريق، فهل يضير العقلاء شيء من ذلك. إن هذا الدين متين، وليس الذي شك فيه زعيماً ولا إماماً.. حتى تخشى من شكه على العامة، فليشك ما شاء، ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟».
إنها السياسة و«عوادمها»، ولا نظن أن «طه حسين» كان كالمجنون «يهذي»، ولا عديم الفهم كـ«البقر»، أما عن أنه «لم يكن إماماً ولا زعيماً» – كما وصفه أيضاً «سعد زغلول» – فإن الأيام قد أثبتت لنا أن «طه حسين» كان – وما زال – «زعيماً» أدبياً و«إماماً» فكرياً، ينعم بإمامة عقله، ويهتدي به.. أناس كثر من المحيط إلى الخليج، وقد لعب دوراً مهماً في محاولات أمته المصرية للنهضة، نظن أنه دور بناء، لا يقل فاعلية وخلوداً عن دور أخلد زعمائها السياسيين- إن لم يفقهم إن جازت المقارنة – ولو كانوا بحجم الجليل «سعد زغلول».
وللحديث بقية.
نقلاً عن «المصري اليوم»