Times of Egypt

الإنسان أولاً.. ومصر لم تكن أبداً «ريعية» 

M.Adam
عمار علي حسن

عمار علي حسن 

(1) 

لا تستقيم تنمية.. إلا إذا جعلت الاقتصاد في خدمة الإنسان، وليس الإنسان في خدمة الاقتصاد، فيتحول إلى مجرد واحد من عناصر الإنتاج، أو مورد من موارده، ويكون النجاح هو تحقيق أي نمو. 

(2) 

هناك روافد ستة، تعتمد عليها الحكومة في تدوير الاقتصاد حالياً.. هي روافد غاية في الهشاشة، يمكن أن تتهاوى في لحظة، ولا يمكن التعويل عليها أبداً؛ لا في الوقت الراهن، ولا مستقبلاً. فالسياحة، ودخل قناة السويس، وتحويلات المصريين في الخارج، والأموال الساخنة، والاستدانة المستمرة، وبيع الأصول.. لا يمكن التعويل عليها، في إحداث «مناعة اقتصادية».. لاسيما لدولة قديمة مثل مصر، لم تركن في تاريخها.. إلى أن تكون «دولة ريعية»، إنما هي «دولة منتجة»؛ تبني اقتصادها على إدارة البشر للموارد الطبيعية.. بما يتاح لهم من مال، بما يجعله اقتصاداً يشق طريقه في المسارات الأساسية؛ وهي الزراعة والصناعة والخدمات والتجارة. تواصل ذلك.. على مدار آلاف السنين، ومصر على هذا النحو، وهي مسألة أدركها.. حتى من احتلوا مصر، من أيام الرومان وحتى الإنجليز. 

(3) 

لا نجاح للدولة.. إلا بتحقيق غاياتها الكبرى. وأولها.. جعل شعبها كريماً مكتفياً، وإقامة العدل في وطنها، وحمايته من الاستغلال، أو طمع الغريب. إن مصر تعاني منذ عقود.. جراء غياب «الخطة الناجعة»، وكل ما يقدم من تصورات – ويجد طريقه إلى التنفيذ – يبدو أنه ينسى أن أول ركن للدولة وأساسها.. هو الشعب، صاحب الأرض والمال والسيادة والشرعية. 

(4) 

ذات مرة، جاءت جلستي في عزاء والد أحد الأصدقاء، إلى جانب مسؤول نافذ، وكان هذا في أوائل عام 2016. ما إن صدَّق المقرئ حتى قال لي: أنت تتحدث ليل نهار عن التعليم والصحة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وهذا سيحدث. 

ابتسمت وقلت له: كيف يحدث.. وأنا أرى التوجه الأساسي نحو إقامة مدن جديدة فارهة؟

ابتسم، وقال: لا تتعجل، الثروة الأساسية في مصر هي الأرض، وعليها نبني ونبيع، ثم نبني جديداً ونبيع، فيزيد ما معنا من مال، ونبني ونبيع للمرة الثالثة، فيكون المال أكثر. وقتها سنبني المدارس والمستشفيات والمستوصفات، وسنطلق مشروعات إنتاجية في كل اتجاه. ما معنا الآن لو وضعناه في التعليم والصحة سينفد كله. لكن ننمي الثروة، ومن الفائض سنفعل كل ما هو مطلوب. هززت رأسي، ثم سألته: رغم أن كل ما تنفقه على التعليم والصحة.. سيعود إليك أضعافاً مضاعفة فيما بعد، ورغم أن هذه ضرورة لا تأجيل لها، لكن سأجاريك فيما تذهب إليه. وأسأل: ماذا لو وضعت كل ما لدى الدولة من مال، أو ما يمكنها إدارته أو توجيه جريانه، في أبنية ثم عجزت عن بيعها؟ 

كتم ضحكة وقال: لا، البيع مضمون، أنت رجل تؤلف كتباً، ولست مطوراً عقارياً. قلت له: التفكير العلمي يجعل من الضروري أن تضع لمخاوفي نسبة ما.. في حساب العائد، أو لتكن احتمالاً من الاحتمالات. المنطق البسيط يقول هذا. ابتسم، وقال: هذا المسار يقف خلفه أصحاب خبرات في هذا الاتجاه، ولا تقلق. بعد عشر سنوات حدث ما توقعته، لكن يبدو أن الحكومة كانت قد استمرأت هذا الدرب، مستجيبة لمنطق المطورين العقاريين، أو أصحاب الأموال المفرطة.. الباحثين عن مكسب سريع، لا تدره الصناعة ولا الزراعة، ولا حتى الاستثمار في الخدمات. 

وأتذكر هنا أنني كتبت مقالاً وقتها – أو قبل هذا بقليل – طالبت فيه بالاعتماد على أصحاب رؤوس الأموال المتوسطة، وقدَّرتُها يومها من (10 إلى 20 مليون دولار) وقلت: لا شك أن في مصر عشرة آلاف شخص، تبلغ ثرواتهم هذا الحد أو تفوقه، وبهؤلاء – لا بأباطرة المال – يمكن أن توضع خطة لمشروعات إنتاجية. كان هناك من يفكر في مصر «الورشة»، بينما كان المطورون العقاريون يفكرون في مصر «الفاترينة». 

(5) 

حين أعلنت الحكومة إغلاق المحلات.. على اختلاف أنواعها، عند التاسعة مساءً، وأطفأت إنارة الشوارع، قال خبراء اقتصاديون.. إن هذا ضرره أكثر من نفعه، فهو لن يوفر سوى 7% من حجم استهلاك الكهرباء، لكنه سيؤدي إلى زيادة معدلات الركود، وتخفيض ساعات عمل لملايين، وفقدان مثلهم وظائف مسائية، فضلاً عن خلق أسباب إضافية لاهتزاز الأمن الاجتماعي. ها هي الحكومة قد أعلنت العودة إلى ما كان، فهل لم يكن لدى الحكومة من تنصت إليهم.. قبل أن تقرر في المرة الأولى، أو حين مدَّت موعد الإغلاق ساعتين إضافيتين؟ أم هناك من يتحدث لكن لا أحد يسمع؟ أم هو الغياب التام لمن تجب مشورتهم؟ أم كان هناك ما يستوجب هذا القرار في البداية.. وقد تغير الأمر الآن؟ لكن كيف تغير؟ هل لأن الحرب تلتقط أنفاسها الآن.. قبل أن تعود مستعرة من جديد؟ أم جاء إلينا من وافر الطاقة ما أعاد الأمور إلى نصابها؟ لكن كيف جاء؟ وعلى يد من؟ وما المقابل؟ وهل لم يكن هناك نقص في الطاقة أساساً.. لكن القرار كانت له أسباب أخرى؟ 

لا توجد إجابات تقدم للناس، ومن يمثلهم أو ينوب عنهم في برلمان له غرفة وغرفة، يبدو غير مهتم بمعرفة شيء.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة