د. أحمد يوسف أحمد
نظَّم الدكتور محمد شوقي العناني – الرئيس القدير للجمعية المصرية للقانون الدولي، السبت الماضي – حفل تأبين للراحل الكريم الدكتور مفيد شهاب، ولم يخطر ببالي.. حين لبيت الدعوة الكريمة من الابن العزيز الدكتور العناني، أنني سأكتب عن وقائع هذا التكريم. لكن الحفل كشف عن تفاصيل جميلة ورائعة، لا أعتقد أن أحداً كان يعرفها.. سوى من كانوا شهوداً عليها، كذلك أضافت التفاصيل التي ذكرها المتحدثون العرب.. حقائق ناصعة لا بد من تسجيلها.
وقد افتُتح الحفل بكلمة رائعة للدكتور العناني – رئيس الجمعية – اختتمها بإشارة للبدر الذي يفتقده الجميع، كذلك ألقى كل من الدكتور سعيد جويلي – نائب رئيس الجمعية – والدكتور محمد صافي – أمينها العام -كلمتين رائعتين، ولفتني بصفة خاصة.. قول الدكتور جويلي: إن «العلم رحم بين أهله، وها نحن نصل الرحم». ثم بدأ الدكتور العناني في تقديم المتحدثين.
وأنتقي من كلماتهم.. ما هو غير تقليدي؛ كحديث الدكتور علي الدين هلال.. عن الدور التنويري للراحل الكريم في مواجهة الإرهاب، الذي كان قد تفشى في جامعة القاهرة.. قبل توليه رئاستها، فواجه تلك التيارات الظلامية.. بأدوات فكرية وثقافية، أثبتت جدارتها. واختتم الدكتور هلال كلمته.. بدعوة الجمعية للمبادرة بجمع التراث العلمي للراحل الكريم، وهي دعوة لم يكتفِ الدكتور أحمد زايد بالتثنية عليها، وإنما أعلن وضع إمكانيات مكتبة الإسكندرية.. رهن إشارة هذا المشروع، وأضاف بُعداً مهماً – قد لا يعرفه من لم يقترب من الدكتور مفيد – وهو موضوعيته الشديدة.. في اختيار المستشارين الثقافيين لمصر في الخارج.
وقد حكى زايد تجربته الشخصية، عندما اختاره الدكتور مفيد مستشاراً ثقافياً في السعودية.. دون أن يعرفه شخصياً، وقد أسرَّ لي الدكتور زايد – في حينه – بتقديره اللامحدود لهذه النزاهة الفائقة في الاختيار. ومن ناحيتي، عاصرت اختياره الدكتورة ودودة بدران.. مستشارة ثقافية لمصر في المملكة المتحدة. وكان قد حضر ندوة.. استضافت فيها كلية الاقتصاد مهاتير محمد، أدارتها الدكتورة ودودة بمنتهى الاقتدار.
ثم تحدث الدكتور محمد سامح عمرو – عميد حقوق القاهرة – عن اهتمام الدكتور مفيد به – إبان رئاسته جامعة القاهرة – بينما كان يُعد رسالته للدكتوراه في المملكة المتحدة، وروى تفاصيل جميلة.. عن الاهتمام الفائق للدكتور مفيد.. بمتابعة دراسته؛ الذي بلغ الذروة باجتماعه بمشرفه، وتوصيته خيراً به، لحاجة كليته لسرعة إتمامه دراسته. وفي الزيارة الأخيرة – التي تزامنت مع قرب عودة الدكتور سامح للوطن – روى كيف أن الدكتور مفيد عرض أن يأخذ معه بعض أمتعة الدكتور سامح، لعلمه بكثرة الأشياء التي يحملها العائدون عودة نهائية للوطن، فأي إنسان جميل.. كانه الدكتور مفيد!
وكان أول المتحدثين العرب الدكتور إدريس الضحاك – الرئيس السابق للمحكمة الدستورية العليا في المغرب – الذي حضر خصيصاً ليشارك في تأبين زميله وصديقه.. وقد امتدت علاقتهما لعقود؛ فروى خبرته مع الراحل الكبير.. في مداولات مؤتمر القانون الدولي للبحار، وقدرته الفائقة على التوصل لخلاصات، تتجاوز التناقضات بين مصالح الدول العربية.. رغم صعوبة المهمة.
وقد لاحظت – في المؤتمرات العربية التي حضرتها مع الراحل الكريم – كيف كان يستمع بصبر، ثم يتحدث في النهاية.. بهدوء وموضوعية، فيكون حديثه فصل الخطاب. ولا أذكر – ولو لمرة واحدة – أن أحداً قد تكلم بعده، أو اعترض على ما انتهى إليه. كما حدثنا الضحاك عن الجهد الفائق الذي بذله الدكتور مفيد شهاب، وأدى لإنجاح مرشح المغرب.. في تولي أحد المواقع الدولية المهمة.
وعن البعد الإنساني في شخصيته، روى كيف تصادف أن التقيا في طائرة متجهة للقاهرة، فعاتبه عتاباً شديداً.. على أنه لم يخبره بنيته زيارة القاهرة، ثم أصر على استضافته في منزله طيلة مدة إقامته.
كما تحدث الدكتور البخاري الجعلي – رئيس الجمعية السودانية للقانون الدولي – عن خبرته الذاتية مع الدكتور مفيد.. وفقاً لنفس الخطوط السابقة. أما السفير محمد الربيع – الأمين العام السابق لمجلس الوحدة الاقتصادية – فقد تحدث عن خبرته – كمواطن ومسؤول يمني – حين قررت حكومته الاستعانة بفقيهنا الكبير.. كمحام لها في القضية الخاصة بالنزاع حول جزر حنيش. وكانت المشكلة.. أنه كان يشغل منصباً وزارياً آنذاك، وبعد أن تم حلها، وأذن الرئيس مبارك له بالقيام بهذه المهمة، روى السفير الربيع كيف أبدع الدكتور مفيد في إعداد دفاعه.. لدرجة أن محكمة التحكيم سلَّمت بكل أطروحاته، وكسب اليمن العزيز القضية. غير أن الربيع أدلى بشهادة أدت إلى انفجار القاعة بالتصفيق، لتكون كلمته هي الكلمة الوحيدة.. التي قوطعت بالتصفيق؛ فقد روى كيف حمل – بعد أن كسب اليمن القضية – مبلغاً كبيراً من المال كمقابل لمجهوده، فرفضه بهدوء وحسم.. قائلاً: إنه يتولى منصباً عاماً، وليس محامياً خاصاً.
والحقيقة أن حياة الدكتور مفيد – رحمه الله – وسيرته، ودوره العربي – كلها تبين كيف أن مثقفي مصر وأكاديمييها وأدباءها وفنانيها وكوادرها الإعلامية، يمثلون قوة ناعمة هائلة.. يمكن أن تعزز الحضور المصري في الوطن العربي بكل أبعاده. وعلى سبيل المثال، نشرت هذه الصفحة – منذ أسابيع قليلة – مقالاً للدكتورة نيفين مسعد.. بعنوان «رحيل قائد عربي كبير».. عن وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال.. تناولت فيه مكانته الوطنية الرفيعة، ودوره البارز في السياسة الجزائرية.. في مرحلة عصيبة، ولا يدري القارئ الكريم.. مدى الأصداء الإيجابية في أوساط المثقفين الجزائريين، التي أحدثها نشر المقال في صحيفة «الأهرام» العريقة.. كما وصفوها، كدليل على اهتمام مصر بالشأن الجزائري.
ولتكن المعاني الجميلة.. التي انطوى عليها الدور العربي لراحلنا الكبير، نقطة بداية للتفكير في الكيفية المُثلى، التي يمكن الاستفادة بها من الصفوة المصرية.. في توثيق عرى الروابط بين مصر وشقيقاتها العربيات.
رحم الله الأستاذ الجليل، والإنسان الرائع.. الذي كرَّس حياته من أجل طلابه، ووطنه، وأمته العربية.
نقلاً عن «الأهرام»