د. نيفين مسعد
منذ أهدتني الدكتورة سهى علي رجب كتابها «حرب أكتوبر والأدب العِبري».. قبل خمسة أشهر، وأنا أحتفظ به في مكتبتي.. انتظاراً لحلول الذكرى الثالثة والخمسين للنصر العظيم. وحالي في ذلك، بدا كمثل حال الجندي في رواية الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس.. «الرصاصة لا تزال في جيبي»، الذي ظل يحتفظ برصاصته معه.. منذ هزيمة 1967، حتى حانت لحظة تحرير الأرض في السادس من أكتوبر 1973. فأهمية هذا الكتاب، تنبع من أنه ينقل للقارئ العربي شهادات حيَّة عن حرب أكتوبر – كما تناولَها الأدباء الإسرائيليون – وأنه يكشف عن هول الصدمة.. التي انتابت المجتمع الإسرائيلي، وهزَّت – بقوة – ثقته في إمكانية تحقيق المشروع الصهيوني.
لا يستخدم الأدباء الإسرائيليون تعبير «الهزيمة».. في وصف اقتحام الجيش المصري لأعتى السواتر الترابية على مستوى العالم، وإسقاط خط بارليف البالغ التحصين، ولا في تناولهم لقيام الجيش المصري بالتحييد المبكِّر.. للتفوق الجوي الإسرائيلي، أو معارك الدبابات.. التي سطَّرت بطولات مصرية مذهلة، لكنهم يستخدمون فقط.. وصف «التقصير». مع أن تحليل النصوص الأدبية يأخذنا لآفاق بعيدة جداً، إلى حد أصبح معه وصول الجيش المصري إلى تل أبيب.. يمثِّل كابوساً يؤرِّق الأدباء.
نفتح قوسين.. لنقول إن الأدب العربي عموماً – والأدب المصري خصوصاً – امتلك في المقابل.. من الشجاعة، ما جعل نقده لهزيمة 1967 نقداً لاذعاً، بل شديد القسوة؛ من غسان كنفاني وحنَّا مينا وسعد الله ونُّوس، إلى نجيب محفوظ وبهاء طاهر وصُنع الله إبراهيم وإحسان عبد القدوس.. الذي اختار لإحدى قصصه عنواناً مباشراً، هو «الهزيمة اسمها فاطمة».
يتناول كتاب دكتورة سهى علي رجب – بشكلٍ مقتضبٍ – كيف تعامل الشِعر والمسرح في إسرائيل.. مع صدمة حرب أكتوبر، لكن الكتاب يفصِّل أكثر.. في كيفية تعامل فن الرواية مع هذه الصدمة. وقبل الانتقال إلى متن الكتاب، توجد لديَّ ملاحظتان مبدئيتان؛ الملاحظة الأولى: أن الأدب العِبري – كما تقول المؤلفة – يُستخدَم كناية عن الأدب الذي أنتجه اليهود على مدار تاريخهم؛ وبالتالي فإنه لا ينحصر في الفترة التي تبدأ منذ قيام دولة إسرائيل.
لكن – في تقديري – أن كون الكتاب يركِّز على واقعة تاريخية حديثة هي حرب 1973، بالتالي فإنه – وبحكم الضرورة – يحصر نفسه في مرحلة زمنية محددة.. هي مرحلة ما بعد قيام دولة إسرائيل. والملاحظة الثانية: أنه في الإشارات المقتضبة للشِعر – داخل الكتاب – يوجد ما يستدعي التوقُّف أمامه، كما في اعتبار الشعراء الإسرائيليين.. أن انتصار دولتهم في 1967، لم يضع نهاية للمواجهة العسكرية مع الجيش المصري، فسرعان ما تجدَّدت هذه المواجهة في أكتوبر 1967.. مع إغراق المدمّرة إيلات.
ومع أن هذه الحقيقة عن أهمية حرب الاستنزاف – في التمهيد لنصر أكتوبر – معلومة للكافة، إلا أنها تتعرَّض للطمس في الأدب العبري.. شأنها في ذلك شأن الكثير من الحقائق المرتبطة بحرب أكتوبر. فحول حرب الاستنزاف، كتب إسحاق بولاق قصيدة في جريدة معاريف.. يوم 10 أكتوبر 1969، تحدث فيها عن حجم الخسائر البشرية، التي تكبَّدتها دولته خلال هذه الحرب. كذلك يوجد في الإشارات المقتضبة للمسرح.. ما يستحق التنويه؛ ومن ذلك أن عقدة عدم الشعور بالأمان لدى المواطن الإسرائيلي.. بسبب حرب أكتوبر، تحوَّلت إلى عقدة مزمنة.. عكستها بوضوح النصوص المسرحية. وحول هذا المعنى كتب يتسحاق بن مير – في 1989- روايته «السراب».. التي تحوَّلت لمسرحية، عن مواجهات الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
عندما ننتقل للأعمال الروائية التي تناولت حرب أكتوبر، وتدور حولها معظم صفحات الكتاب، نجد أن المؤلفة تشير إلى ثماني روايات منها.. باعتبارها الأكثر شهرة، وتلفت الانتباه إلى أنه.. رغم أهمية الموضوع، فإن رواية واحدة فقط منها.. هي التي تمت ترجمتها إلى العربية، وتلك هي رواية «العاشق» في عام 1984 لأبراهام يهو شواع، هذا بينما تتزايد أهمية الترجمة من العربية إلى العبرية.
هذه النقطة – التي تشير لها المؤلفة – على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، لأنها تُسلِّط الضوء على التفاوت في مصادر التكوين المعرفي.. بين العرب والاسرائيليين؛ ففي حين تركِّز هذه المصادر على الخطاب السياسي من المنظور العربي، نجدها تتسع أيضاً للخطاب الأدبي من المنظور الإسرائيلي. وفي تحليل المؤلفة لصورة حرب أكتوبر- في الروايات الثماني – تقول إنها: تُبرز انكسار العنجهية الإسرائيلية، وتتضح فيها نبرة نقدية عالية لسلسلة أخطاء ارتكبتها القيادات الإسرائيلية، أفضت إلى زلزال أكتوبر؛ ففي رواية حاييم بئير – بعنوان «ريش» عام 1979 – يوجد إسقاط سياسي لافت.. من خلال تصوير مصير بائس لثلاثة جنود إسرائيليين، نزلوا للاستحمام في بحيرة مزروعة بالألغام؛ فمات أحدهم، وأصيب الاثنان الآخران.. في إشارة لإصرار القيادات الإسرائيلية على استخدام القوة.. التي ثبت عقمها.
تشير المؤلفة أيضاً، إلى أن حرب أكتوبر.. كان لها تأثير مزدوج على المشهد الأدبي في إسرائيل؛ فمن ناحية.. أدت الحرب إلى سيطرة «جماعة التفسُّخ والتحلُّل» على هذا المشهد، وربما كان المقصود هنا.. هو صعود اتجاه ما بعد الحداثة، الذي يتمرد على المسلَّمات، ويتشكك في الأفكار والنظريات الكبرى. وفي هذا السياق، بدا كما لو كان الجندي العربي والجندي الإسرائيلي.. قد تبادلا موقعيهما في الأعمال الروائية؛ فإذا بالمقاتل العربي يوصف بالشجاعة والإقدام، في مقابل الجندي الإسرائيلي.. الذي يهرب من الميدان. وهذا هو ما عالجته رواية «العاشق».. التي تُرجمت للعربية.
وعلى سبيل الاستطراد، يجدر القول إنه.. بينما لجأ النظام الانتقالي الحاكم في سوريا، للتنصُّل من حرب أكتوبر، وأوقف الاحتفال بذكراها، فإن رواية «علامة التنشين» – لحاييم سباتو في 1999 – أشادت ببطولات المقاتلين السوريين في بداية الحرب، ولاقت نجاحاً كبيراً وتحوَّلت إلى فيلم سينمائي. والتأثير الثاني لحرب أكتوبر.. هو تكوين «حركة السلام الآن» – التي كان الأدباء الإسرائيليون اليساريون مشاركين في تكوينها منذ البداية. ومعلوم أن هذه الحركة، تدعم التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي.
لقد أهدت دكتورة سهى علي رجب للمكتبة العربية.. كتاباً يوثِّق هذه الملحمة الكبرى.. من منظور الأدب، ولا يملك القارئ لصفحات الكتاب، إلا أن يتجدد في داخله ذلك الإحساس الرائع.. بالفخر بالوطن، والاعتزاز بالشهداء.. الذين رووا بدمائهم أرض سيناء الحبيبة.
والامتنان لكل الأبطال.. الذين ما زالوا يمدوننا بالأمل في أن انتصار الحق قادم، حتى لو كان للباطل جولة.
نقلاً عن «الأهرام»