وجيه وهبة
«عمرو موسى» – مع حفظ الألقاب، وهو في غنى عنها – علَم من أعلام السياسة العربية ونجومها المتألقة. الجلوس معه – بعيداً عن الرسميات والكاميرات والميكروفونات – يبين عن ملامح شخصية ليبرالية.. تقدمية الفكر، شخصية قوية وودودة في آن، تتميز بالوسامة والأناقة.. شكلاً ولغة وحواراً. وأكثر ما أحب في «عمرو موسى»، هو عشقه لفن «عبد الوهاب»، وإلمامه به. كما أن من حُسن خصاله، أنه.. إذا تطرَّق النقاش إلى الأمور السياسية، فهو يدافع عن وجهة نظره بحماس، دون أن ينتقص ذلك من سعة صدر ملحوظة، تليق بأصحاب المقامات الرفيعة حقاً، في الاستماع إلى الرأي المخالف لرأيه، هذا عن تجربة شخصية في النقاش معه، والتي آمل أن تستمر بذات الرقي – بعد قراءة هذا المقال – فهو يعلم مدى تقديري وتوقيري له، وعلى رأي «لطفي السيد»: «الخلاف لا يفسد للود قضية»، ولعن الله السياسة، ولندع ما يفرقنا، ولنكتفِ بما يجمعنا، ألا وهو فن «عبد الوهاب».
كان لعمرو موسى «كاريزما» قوية، تبدَّت بصورة ملموسة ومحسوسة ومشهودة، في علاقته – كوزير خارجية – برئيسه، الرئيس «مبارك»، التي استمرت لنحو عشرة أعوام، وهذه مسألة تُحسب لكليهما، الاحترام المتبادل، مع حفظ المقامات الوظيفية، بدون تصاغر المرؤوس.. وانسحاقه أمام الرئيس، ولا استعلاء الرئيس على المرؤوس.. ثم كان اختيار «مبارك» له، وترشيحه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية.
مع اقتراب نهاية ولايته الأخيرة.. كأمين عام لجامعة الدول العربية، بدأت أحداث «25 يناير»، ظهر «عمرو موسى» مع الجموع في ميدان التحرير!! وتعجب الناس من «الفلول».. الذين يحاولون اللحاق بقطار «الثورة»، والتنصل من نظام كانوا من أهم أركانه ودعائمه، وتوالت الأحداث. ثم كانت أول انتخابات رئاسية.. في ظل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعد تخلي «مبارك» عن السلطة، التي ترشح للرئاسة فيها اثنان من «الفلول»: «عمرو موسى» و«أحمد شفيق».
كانت نتيجة الانتخابات في المرحلة الأولى مليئة بالمفاجآت، وأولاها أن «عمرو موسى» – الذي هو أكثر الجميع خبرة سياسية، والوحيد بينهم المعروف دولياً – يحتل المركز الخامس في الترتيب. وأيضاً كانت مفاجأة، أن يحصل «الفل» «أحمد شفيق».. على ملايين الأصوات، بفارق كبير عن «الفل» «عمرو موسى». ربما لأن أنصار عصر «مبارك».. قد أعطوا أصواتهم لـ«الفل الوفي»، ومنعوا أصواتهم عن «الفل المضروب» المشكوك في ولاءاته.
والحق يقال أيضاً، إن هناك «فيديو» على مواقع التواصل الاجتماعي – من أيام حكم الإخوان – يظهر فيه «عمرو موسى».. وهو يطلب من قيادي إخواني معروف، أن يترأفوا بمبارك، ويطلقوا سراحه. ويجيبه ذلك الإخواني – في صلف واستعلاء مقيت – بالرفض قائلاً: «مبارك لن يخرج من السجن.. إلا إلى القبر». وتحمَّل «عمرو» ـ وهو من هو ـ كل ذلك الصلف من هذا الرجل، من أجل موقف إنساني نبيل.. مع رئيسه ورئيس مصر السابق. ومن سخرية القدر، أنه لم يمض وقت طويل على هذا اللقاء، حتى خرج مبارك من السجن، ودخل ذلك الإخواني المستكبر السجن، ومات فيه.
مؤخراً، تابعت لقاءين تليفزيونيين لعمرو موسى؛ أولهما مداخلة مع «عمرو أديب».. في القناة السعودية التي يعمل بها. وثانيهما لقاء مع محاور آخر.. في قناة خليجية متأخونة، (لا أشك للحظة في مدى علمه بكيدها وتآمرها على «مصر» منذ نشأتها، وإلى الآن، مما يطرح مائة علامة تعجب.. بل واستنكار)، لاحظت – في اللقاءين – أن طلته ما زالت لافتة، وبذات الألق وذات الحضور اليقظ، والقدرة على مراوغة محاوريه.. بمهارة لاعب كرة برازيلي؛ في «الترقيص»، والمرور بسلام.. من أي سؤال محرج، بدون إجابة شافية. فقد مارس ذلك مؤخراً ببراعة في اللقاءين، حتى إن المشاهد لا يخرج منهما بفكرة أو معلومة.. أو حتى جملة جديدة، لم تُقَل من قبل.
إنها براعة الكلام الساكت، فضلاً عن التناقض، فعمرو موسى – منذ «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر من العام 2023، وإلى اليوم – دائماً ما يشيد بما فعلته «حماس» في ذلك اليوم، ويبرره، ويصفه بأنه قد «أحيا القضية الفلسطينية !!»، وحينما يسأله «عمرو أديب».. عما إذا كانت «حماس» مصيبة فيما قامت به يوم 7 أكتوبر؟ يجيب بأنه غير راضٍ عن النتيجة: «النتيجة مؤسفة جداً»، ما هذا التناقض يا «عمرو بك»؟
إذا نسيت، لن ننسى:
أنه في يوم 28 يناير 2011، انتهك أوغاد حماس الإرهابية حدود «مصر» المقدسة، وانطلقوا مع أعوانهم بالداخل.. نحو عمق البلاد؛ ليحرقوا ما صادفهم من أقسام شرطة، وليقتلوا جنودنا غيلة، وليواصلوا طريقهم لاقتحام السجون المصرية وقتل حراسها، وإطلاق سراح «أيمن نوفل» وخليته الحمساوية. وكانوا قد تم ضبطهم، قبل تنفيذهم أعمالاً إرهابية داخل «مصر» «2008». هؤلاء يا «عمرو بك».. من تقول إنهم «أحيوا القضية الفلسطينية». وهم – في واقع الأمر – قد أجهزوا عليها تماماً؛ بما ارتكبوه في السابع من أكتوبر، وكل ما نسمعه الآن من شعارات وصيحات هستيرية.. عن إحياء القضية، هو – في واقع الأمر – أقرب ما يكون بفرفرة طائر ذبيح.
يبدو أن الزمن – الذي عجز أن يغير كثيراً من ألق وملامح «عمرو موسى» – قد عجز أيضاً عن تغيير بعض أداءاته الديماجوجية «الشعبوية»، فنراه ما زال يسير في ركاب العوام، والهتاف معهم.. رافعاً ذات الشعارات البالية، التي لم نجن منها إلا المزيد من الهزائم والخسائر والانكسارات، و«شعبنة» السياسة.. حتى، ولكأنني أراه – رغم كل ما جرى من أحداث مع مر السنين – ما زال يهز رأسه طرباً ويتمايل مع مونولوج «شعبان عبد الرحيم» مردداً: «بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل….هيييييييه».
نقلاً عن «المصري اليوم»