Times of Egypt

هل الصحفي هو الذي يبحث عن الأخبار أم أن الأخبار هي التي تبحث عنه؟

M.Adam
عبدالله السناوي 

عبدالله السناوي

كان ذلك سؤالاً وجَّهته إلى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» في (17) يوليو (2010)، وطائرة خاصة تقلنا إلى العاصمة الليبية طرابلس.. للقاء أخير مع العقيد «معمر القذافي»، قرب هبوب العواصف على المنطقة كلها.

أجاب بخبرة السنين: «الاثنان».

كان داعي السؤال.. ما أُعلن للتوِّ – حينئذ – في واشنطن ولندن، أن شركة «بي. بي» قد استخدمت نفوذها لدى اسكتلندا، للإفراج عن المتهم الليبي في قضية لوكيربي «عبدالباسط المقراحي»، في صفقة وقَّعت بمقتضاها ليبيا.. عقود تنقيب عن البترول مع الشركة البريطانية العملاقة.

كانت تجربة شيخ الإذاعيين المصريين والعرب «فهمي عمر».. تلخيصاً تراجيدياً للسؤال والإجابة معاً.

في مطلع حياته المهنية، وجد المذيع الشاب نفسه صبيحة (23) يوليو (1952) أمام قرار مصيري: أن يسمح، أو يمانع – بذريعة العودة إلى رؤسائه – في بث بيان الحركة؛ فموقعه لا يخوِّله سلطة أن يبت في بث بيان أول جملة فيه: «اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير.. من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين».

تحمَّل مسؤولية الموقف بلا تردد، رغم وجود عوائق تقنية.. تمنع البث، لم يحاول أن يناور بها لاكتساب أي وقت.

سأل قائد القوة التي اقتحمت مقر الإذاعة القديم، البكباشي «أنور السادات»: هل أقدمك باسمك؟

ردَّ عليه باقتضاب: «بل ممثل القيادة».

بافتراض أن حركة يوليو – كما كان يُطلق عليها في البداية – لم يُقدَّر لها النجاح في إزاحة النظام الملكي، فأي مصير كان ينتظر المذيع الشاب؟!

لم يكن يعتقد، عندما قدم بيان ثورة يوليو، أنه يخاطر بمستقبله كله.

حتى سنواته الأخيرة، وهو يروي قصة ذلك اليوم الاستثنائي في التاريخ المصري الحديث، لم ينسب لنفسه أية بطولة، أو يضفِ عليها أية صفات خاصة.

بحسِّه الوطني.. أدى واجبه، وانتهى الأمر.

في لحظة واحدة التقى الصحفي مع الخبر، والرجل مع قدره.

في لحظة أخرى، بعد عشرين سنة – بالضبط – وجد نفسه على موعد جديد مع التاريخ، لكنه من نوع مختلف.

في عام (1972) تصادف تكليفه بتغطية دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية في ميونخ.

كانت الإذاعة وقتها.. تتولى وحدها مهمة إطلاع الرأي العام على مسابقاتها، ونتائجها وكواليسها.

لم تكن هناك فضائيات تبث المسابقات على الهواء مباشرة كما هو الآن.

كان يُفترض فيمن يغطي الدورات الأوليمبية للإذاعات، أن تكون لديه القدرة على وضع المستمع في أجوائها، كأنه موجود بالمكان.

هذه كل مهمته، غير أن قدره وضعه.. في قلب زلزال سياسي شغل العالم كله.

قامت مجموعة فلسطينية – تطلق على نفسها «أيلول الأسود» – باختطاف عدد من أعضاء البعثة الإسرائيلية داخل القرية الأوليمبية؛ حيث كان يقيم ويعمل.

كانت معضلته، أن يغطي ما يحدث بأكبر قدر ممكن من الأمانة المهنية؛ وسط مشاعر عربية وحساسيات دولية.. لا سبيل إلى إنكارها.

لم يكن غائباً عنه، أن تأسيس «أيلول الأسود».. يعبر عن غضب عارم في صفوف حركة «فتح»، ضد الأحداث الدامية التي شهدتها العاصمة الأردنية عمَّان، قبل التوصُّل بشق الأنفس إلى وقف حمامات الدم.. إثر قمة عربية طارئة في القاهرة (1970)، بذل خلالها «جمال عبدالناصر» مجهوداً خارقاً، أفضى إلى رحيله المبكر في الثانية والخمسين من عمره.

قيمة شهادة «فهمي عمر» عن أحداث ميونخ – التي سجلها في كتيب صغير تناول بعض محطات تجربته – أنها تابعت أدق الأسرار والكواليس، ورصدت التداعيات ومواقف الأطراف المتداخلة، وتحوُّلاتها بأكبر قدر ممكن من المهنية.

لم تكن هذه مهمة سهلة؛ فالحدث بالغ الحساسية.. أمنياً وسياسياً، وتداعياته استدعت انحيازات متضادة.. على المسرحين الإقليمي والعالمي.

بدت تغطيته مثالاً على كفاءته المهنية.. في الإلمام بموضوعه، وما يحيط به من تحديات وأسرار.

بنفس الكفاءة المهنية، واصل إسهاماته في ريادة العمل الإعلامي؛ حيث قدَّم برنامج «ساعة لقلبك» – الذي يُعد واحداً من أشهر البرامج الإذاعية في التاريخ المصري الحديث – وبرامج أخرى استقرَّت في الذاكرة العامة كـ«مجلة الهواء».

يُنسب إليه تأسيس إذاعة الشباب والرياضة، وهو – باليقين – أهم إعلامي رياضي دون منازعة.

لسنوات طويلة، اعتاد المصريون الاستماع إليه.. عبر إذاعة «البرنامج العام» عند الساعة السابعة وخمس دقائق، متابعة نتائج مباريات الدوري.. بلغة تمزج بين بلاغة الشعر وبساطة النفاذ، التي تصل إلى هدفها بيسر وسهولة في مخاطبة الجمهور العام.

كانت سنوات رئاسته للإذاعة المصرية.. من أكثر فتراتها حيوية وإبداعاً وقرباً من قلوب المستمعين.

بالانتساب العائلي، فهو حفيد «شيخ العرب همام».. أحد أساطير صعيد مصر في مقاومة طغيان المماليك. مثّل أهله وناسه بالمجلس النيابي.. ملتزماً بذات الإطار العام.. لقيمه وانحيازاته الوطنية والمهنية.

ناهض الأخذ بالثأر، وعُهدت عنه الحكمة.. في تصفية الكراهيات المتوارثة.

في سنواته الأخيرة، جرى التنبه لوجوده بيننا، استضافته برامج حوارية، واستعادت تجاربه بين الرياضة والسياسة، لكنها لم تكن كافية للاستفادة منه كما ينبغي، أو كما هو واجب.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة