عبدالله عبدالسلام
عندما ينتقد ترامب أحد خصومه.. في السياسة والإعلام، يصفه بأنه خاسر أو فاشل. ورغم أن ذلك يأتي في إطار المماحكات السياسية، فإنني أعتقد أن العالم العربي – بأوضاعه الحالية – يستحق هذا الوصف، حتى ولو لم ينطق به ترامب. الخسارة العربية مركبة. ستجدها في التنمية الاقتصادية والصحة والتعليم والثقافة وغيرها. لكنّ هناك مجالاً «برع» فيه العرب أكثر، وهو خسارة أصدقائهم من الشعوب الأخرى، وتقديمهم مجاناً – وعلى طبق من فضة – لإسرائيل.
فن «خسارة الأصدقاء» العربي متواصل.. منذ الثمانينيات؛ من أوروبا الشرقية إلى روسيا وأفريقيا، والآن الهند.
في ختام زيارته لإسرائيل، أمس الأول، ودَّع رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، نتنياهو بالدموع.. تأثراً بما قاله مجرم الحرب إنه: «لم تبقَ عين واحدة لدى الشعب الإسرائيلي جافة. الجميع تأثروا من كلماتك الحميمة. أنت تُعيد إلينا الأُخوة اليهودية الهندية».
بغضِّ النظر عن «قصة الحب المفتعلة».. تلك، إلا أن تحولاً مذهلاً حدث في علاقات البلدين. انتقال من التعاون التقليدي.. إلى شراكة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية. تحالف استراتيجي سياسي وأمني، يجعل الهند شريكة لإسرائيل.. في رسم خريطة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي..
كيف وصل الأمر بالهند – التي لطالما اعتبرت القضية الفلسطينية قضية وجدان قومي – إلى أن يصف مودي هجمات 7 أكتوبر 2023.. بأنها إرهاب بربري، دون الإشارة لحرب الإبادة، والتجويع، والتهجير.. ضد الفلسطينيين؟!.
اعتبر العرب دعم الدول الصديقة كالهند لقضاياهم.. أمراً مفروغاً منه. لم يدركوا التحولات الجذرية التي حدثت منذ سقوط الاتحاد السوفيتي. آمنوا أن تأييد هذه الدول لهم.. واجب أخلاقي.
لم يربطوا بين استمرارية العلاقات الاقتصادية والتجارية.. والموقف السياسي. بل إن بعض الدول العربية كانت – ولا تزال – تُعمِّق تعاونها مع الهند.. رغم تقاربها مع إسرائيل.
الأمر نفسه حدث مع دول أوروبا الشرقية، قبل استقلالها عن موسكو.. نهاية الحرب الباردة؛ كانت تلك الدول «رفقاء سلاح» للعرب، ثم حدث تحوُّل جذري؛ انحيازٌ لإسرائيل، ودعم مطلق لسياساتها التوسعية، أصبحت الرصيد الاستراتيجي لتل أبيب.. في المنظمات الدولية.
الأمر نفسه – مجددا – مع روسيا.. التي تقودها براجماتية بوتين إلى ممارسة التذاكي في سياستها بالمنطقة؛ ادعاء بالوقوف مع العرب، بينما التنسيق والتعاون مع إسرائيل.. لا يتوقفان.
الأخطر.. ما حدث ويحدث في أفريقيا، بعد أن قطعت علاقاتها بإسرائيل بشكل جماعي في أعقاب حرب أكتوبر 1973، هناك الآن دول عديدة في القارة.. تتسابق للتعاون وعقد الأحلاف معها.
نشاط إسرائيل الأمني والاستخباري والعسكري بأفريقيا غير مسبوق. هذه الدول وجدت – كما الهند وأوروبا الشرقية – أن العرب لم يعودوا يعتبرون القضية الفلسطينية مركزية، فلماذا يتمسكون هم بذلك؟.. بل إن دولاً عربية.. تفصل بين القضية الفلسطينية، والتعاون الثنائي مع إسرائيل.
كما أن تل أبيب نجحت في أن تقدم نفسها.. كشريك عسكري وتكنولوجي وأمني، تعتمد عليه تلك الدول. بينما ظل العرب في مربع العلاقات التقليدية.. التي يلعب فيها البترول رأس الحربة. فلم يدركوا أن الدنيا تغيرت.
الهند لم تعد دولة نامية، وأفريقيا تبحث عن مصالحها، وأوروبا الشرقية غيََّرت جلدها. وحدهم العرب ما زالوا رهائن زمن السبعينيات وما قبلها.
نقلاً عن «المصري اليوم»