أحمد الجمال
عاصر جيلي – الذي وُلد عند منتصف أربعينيات القرن العشرين – وهو الآن في الثمانين.. إصدار عدة وثائق من جانب السلطة الحاكمة، وتقديمها للشعب لتكون – وفق الخطاب السياسي والإعلامي السائد في كل نظام – دليلاً للعمل الوطني، أو مرشداً للحياة العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو غير ذلك.
عاصرنا – ونحن في بداية المرحلة الابتدائية – إصدار «فلسفة الثورة»، وبعدها «ميثاق العمل الوطني»، وبعدهما «بيان 30 مارس». ووحده.. حظي الميثاق بمناقشات وحوارات ماراثونية، حضر جلساتها كلها.. الرئيس جمال عبد الناصر، وعن يساره أنور السادات، وبحضور معظم كبار المسؤولين. وانعقد «المؤتمر الوطني للقوى الشعبية».. لتُعرض على أعضائه – الذين بلغ عددهم 1500 عضو، ابتداءً من 21 مايو 1962 – مسودة الميثاق، ليستمر الحوار والنقاش.. داخل اللجان الفرعية، وفي الجلسات العامة، من أواخر مايو إلى أغسطس 1962. وإلى جانب الألف وخمسمائة عضو، حضر 250 عضواً.. هم أعضاء اللجنة التحضيرية.
ومن عاش تلك المرحلة، يتذكر الحوارات الحادة بين بعض الأعضاء.. من مختلف الاتجاهات الفكرية، وبين جمال عبد الناصر؛ الذي تدخل – أكثر من مرة – ليفرمل محاولة السيد أنور السادات.. إيقاف المتحدثين عن الاسترسال، بدعوى أن الفكرة واضحة!
وبعد مايو 1971 – تاريخ ما سُمي «ثورة التصحيح» – وبداية «عصر الانفتاح» والاتجاه للتعددية.. عاصرنا «ورقة أكتوبر 1974»، التي قُدمت للشعب بعد الانتصار.. لوضع استراتيجية شاملة لمصر حتى عام 2000، ثم عاصرنا ورقة «تطوير الاتحاد الاشتراكي» عام 1975.. التي قُدمت كتمهيد سياسي، لطرح فكرة التعددية، وأسفرت ـ بعد ذلك ـ عن إنشاء المنابر السياسية، ثم تحولها إلى أحزاب.
وانتهي حكم الرئيس السادات.. لنعاصر – في عهد خلفه، الرئيس مبارك – «أوراق المؤتمر الاقتصادي الأول» عام 1982؛ الذي قيل عنه إنه عُقد لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي، وتحديد هوية الاقتصاد المصري.. في مرحلة ما بعد السادات.
ثم عاصرنا ما سُمي «الإصلاح الهيكلي والخصخصة».. في التسعينيات، وهي برامج قُدمت في صورة خطط خمسية، وبرامج حكومية أقرها البرلمان. ركزت على التحول الكامل لاقتصاد السوق، والخصخصة، والشراكة مع المؤسسات الدولية.
ثم عاصرنا في عهد الرئيس السيسي.. شعار وهدف «بناء الجمهورية الجديدة والاصطفاف الوطني»، وكان «إعلان خريطة طريق 3 يوليو» وثيقة تأسيسية أنهت حكم جماعة الإخوان، ووضعت مساراً دستورياً.. تضمَّن تعديل الدستور، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.. مبكرة.
ثم جاءت «رؤية مصر 2030» – التي أُطلقت عام 2016 – واعتُبرت أجندة وطنية، ووثيقة تنموية طويلة المدى. وبعدها صدرت وثيقة «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان».. عام 2021. ثم صدرت وثيقة «ملكية الدولة» عام 2022. ثم كان «الحوار الوطني».. الذي صدرت الدعوة إليه في 2022 وبدأت جلساته في 2023. ووفق المعلومات التي أستقيها من الشبكة العنكبوتية، فإن الحوار قد شمل إرسال مئات المقترحات، والأوراق.. من كل التيارات السياسية، والأحزاب، والنقابات. عدا عن عشرات الجلسات.. التي تحدث فيها مئات المتحدثين؛ من تلك التيارات، والأحزاب، والنقابات.
وانبثقت عن الحوار.. حزم من التوصيات، والمخرجات.. السياسية والاقتصادية والمجتمعية، التي رُفعت لرئاسة الجمهورية.. لتحويلها إلى تشريعات، أو قرارات تنفيذية،. واعتبرها الكثيرون بمثابة صياغة جماعية.. لأولويات العمل الوطني.
وها نحن – بعد كل ذلك – بصدد «منتدى مصر»؛ الذي عرفنا ــ عبر ما نُشر وأذيع ــ أنه سيتلقى آراء ومقترحات ودراسات.. من كل المصريين، وأنه بدأ بالفعل.. تلقي ذلك، وبلغ عدد الذين تواصلوا مع موقعه.. ما يقرب من ثمانية ملايين إنسان!
ذلك ما عاصرناه، وكثير منا ـ خاصة من الذين انغمسوا في العمل العام ـ شاركوا في مناقشته.. تأييداً أو اعتراضاً. وذلك – وبأسف شديد – ما عشنا مسار،ه وانقضاء بعضه. وبقينا في الحال نفسه.. مع تغير النظم وتعاقبها، نعيد إنتاج الشكاوى نفسها، ونحاول ـ دون جدوى ـ التمسك بأي أمل.. في نقلة كيفية إيجابية، تغلق ملفات مخيفة المحتويات.. على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولنبقى «محلك سر».
… وحتى هذه، لم نعد نطيقها، بعد وهن العظام، واشتعال الشيب، وانحطاط الهمة؛ لأن «محلك سر».. تقتضي السير في المكان؛ برفع السيقان وإيزالها. وربما كان الوصف الأقرب للدقة.. لحالنا، هو أننا نسأل الله الستر.. في حاضر صعب، ومستقبل محفوف، ومثقل بأثقال هذا الحاضر!
تُرى، متى نتوقف عن إعادة إنتاج.. ما ثبت أنه بغير جدوى؟ ومتى، وكيف.. يدرك الذين يصرون على إعادة الإنتاج.. أننا لم تعد لدينا قابلية للمزيد؟ ومن سيملك شجاعة الإعلان.. عن أن وجهة نظره النهائية، هي أن حكاية الديمقراطية ـ وفق الكتاب الليبرالي، أو شبه الليبرالي ـ لن نراها في المدى الزمني القريب؟!
نقلاً عن «الأهرام»