تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الاسم: العربي.. الوظيفة: مُندَهِش..!

M.Adam
مصطفى حجازي 

مصطفى حجازي

«نحن مَصلَحتُنا مع إسرائيل.. هذه حقيقة عربية إسلامية»..!!!

قبل أن تندهش أيها القارئ العزيز.. هذا ليس كلامي، ولا ينبغي أن يكون منسوباً لعاقل..!

ولكنه وَرَدَ في الحقيقة – وبِنَصِّهِ – على إحدى القنوات الإخبارية «العربية».. حيث استضافت مذيعة «عربية»، ضيفاً «عربياً».. قال هذا الكلام، بل وأضاف.. ما يُفَنِّد ويؤكد؛ فقد أردف – حين سألته المذيعة.. مُنشَرِحةً مُبتَسِمةً مُستَزيدة – ما قد يعين على دَحضِ حُجَجِ العرب المُغيبين (في عُرفِهَا وعُرفِه) عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ولفلسطين على وجه الخصوص. 

… أرغى الضيف وأزبد، قائلاً: «أي احتلال.. هذا وَهمٌ، نحن من توهمناه»..!

هذا الحوار – الذي دار في نهايات سبتمبر الماضي – يأتي في سياق سردية جديدة، يُراد للعالم العربي أن يخنع لها، ويجترها. سردية تقول.. إن «إسرائيل ليست هي العدو.. بل وإسرائيل، لم تكن يوماً عدواً»..!!

 إنها التوطئة الفكرية.. لواقع الشرق الأوسط الجديد، الذي يُرادُ له أن يبزغ؛ حيث إسرائيل.. هي المهيمن الأوحد على العالم العربي؛ بِمُقدراته، وشعوبه، بل وجغرافيته وتاريخه.

من يلوكون تلك السردية.. يُقَدِّمون لها بإطار ينتحل المنطق؛ فَيستَدعون شبحَ مشروع ملالي إيران.. الذي عمل – لقرابة خمسين عاماً – على هَدم الداخل العربي؛ من خلال ميليشيات موالية، رافعاً راية كذوباً.. لتحرير فلسطين. وفي شأن المشروع الصفوي الإيراني.. هذا في ذاته صحيح. ولكن التدليس، يأتي في توظيف المنطق.. لا في حقائقه المؤسِّسَة.

فيأتي الاستدلال الفاسد.. بأن عمامة الفقيه قد اندحرت، والمشروع الأيديولوجي للثورة الإيرانية قد أُذِلَّ.. وعليه، فلتذهب معه فلسطين ورايتها، فهي بعضٌ من إِرثِه المُضَيّع..!

يُقَدَّم لذلك كله.. على كونه المنطق الواجب، والبراجماتية.. التي تقتضي الواقع العربي المنسحق، أن يكفر بِمُسَلَماته؛ مُقِرّاً بأنها ليست إلا بعضاً من «ترهات وشعارات بالية»، أودت به إلى هذا الدرك الأسفل بين الأمم. بينما إسرائيل.. تلك الدويلة، قد استطاعت أن تبني، وتصنع، وتبتكر، وتسوس، وتحقق.. مجتمعاً من الرفاه..!

ولأني ممن يعتقدون تماماً.. في كون حرية الفكر، والمعتقد، والتعبير.. أصلاً لإنسانية البشر. حتى في شأن الإيمان بالخالق، أو الكفر به. فأعتقد – وبذات اليقين – أن الكَذب على التاريخ، والتدليس على الحقائق، ومجافاة المنطق.. هي من أفعال المجرمين. وأن الإمعان في ترويع الوجدان العربي، والوصول به إلى الصدمة والدهشة.. المفضية إلى العجز الدائم، هي أفعال عدوانية.. لا يمكن التخفف في تسميتها، أو الترخص في التعامل معها.

الأنكى، أن كل ذلك يحدث.. بينما «إسرائيل» – كمشروع استعماري غربي – قد فقدت كثيراً من جدواها، وبدأت في طور الاضمحلال.. حتى بات السؤال عن أفق انهيار إسرائيل، سُؤالاً – ليس فقط حاضراً – بل مُلِحّاً.. في الأوساط الاستراتيجية والفكرية في الغرب، وفي الداخل الصهيوني ذاته. وذلك، بناء على مؤشرات موضوعية.. لا عاطفية. 

… مؤشرات، تتحدث عن المدى الزمني.. لمراحل تحلل المشروع الإسرائيلي، وتداعيات أفوله التام.. أكثر منها، تتحدث عن احتمالية وقوع هذا التحلل، أو ذاك الأفول.. من عدمه. فقد تجاوزنا ذلك، و«سَبَقَ السيفُ العَذَل».

لسنا هنا في معرض الحديث العاطفي، أو الخطاب العروبي التقليدي. ولكننا جماعة من البشر.. لزاماً عليها، أن تعرف مَن لَهَا ومَن عَليها. وأن تعي – وعلى بينة – مَن تُهادِن؟ ولماذا؟ ومن تُواجه؟ ولماذا؟ وإلا صارت قطيعاً من السائمة.. قَدَرُهُ بين عصا الراعي وسكينه. 

فبينما كل هذا يجري على العقل العربي.. ليزجره، ويقمعه، ويستتيبه.. عن أي حلم في غد أفضل، وأي ظمأ لقطرات من إنسانية؛ يُستَنفَر الوجدان الإنساني في قارات الدنيا جميعها.. معادياً للصهيونية، كافراً بسرديتها؛ مؤثماً لأفعالها، مُجَرِّماً ومُديناً كل من يمثلونها. وليست قرارات الجنائية الدولية.. بإدانة نتنياهو وثُلته؛ كمجرمي حرب.. منا ببعيد..!

وليس للرفض، والمجافاة الرسمية – قبل الشعبية – في عواصم الدعم الأوروبي التقليدية.. لممارسات المحتل الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني – في غزة والضفة وفلسطين التاريخية كلها – أن يمضوا بغير تَدَبُّر عربي.

غُلَالةُ الكذب الصهيوني.. قد بَلِيَت عن وجه إسرائيل الشيطاني. ولم يعد هناك.. من القبح والدموية وكراهية الإنسانية، ما يمكن أن يُجَمَّل أو يُخفى. وبين ذلك يجري – ومن عَجَبٍ – يأتي من يتبجح.. على العقل والمنطق والحقيقة والضمير.. من داخل الكنف العربي؛ فيتماهى في الوجه الصهيوني، ويلتمس فيه الملاذ من عروبته.

يقذف هؤلاءُ – اللائذون بالصهيونية المُحتَضِرَة.. في الوجدانَ العربي – بالتخلف والرجعية، والشعارية الجوفاء. وفي المقابل، تأتي كتابات «المؤرخين الجدد» – تلك المجموعة المتباينة.. من الباحثين والمؤرخين الإسرائيليين واليهود – لتفكك السردية الصهيونية الرسمية، ولتنزع الشرعية.. عن النشأة والوجود، ولِتُفند الأساطير المؤسسة.. لما يسمى «أرض إسرائيل»؛ التي أطّرت وأسست.. لـ«اختراع الشعب اليهودي».. كَكذِبة كبرى.

«إيلان بابيه».. «آفي شلايم».. «شلومو ساند».. «سيمحا فلابان».. «بيني مورييس».. «توم سيجيف».. و«ميكو بيلد»، تلك بعض من أسماء هؤلاء.. من قائمة طويلة. قد صار لزاماً سَرد كتبهم، والقراءة فيها.

لم تعد القراءة النقدية للتاريخ.. نافلة رفاه للوجدان العربي، بل باتت ملزمة.. إزاماً وجودياً؛ ففيها كسر لطوق الغُربةِ عن العقل. وفيها مغادرة لدرب استِعذاب العجز. وفيها الاستقالة من الدهشة السرمدية.

الدهشة.. ليست قدراً تاريخياً، ولا وظيفة سياسية، ولا فضيلة إنسانية، ولا هي سَنَد عُذر قانوني.. اسمه العذر بالدهشة؛ كالعذر بالجهل. 

الدهشة.. هي تجليات الغفلة المؤجلة. وكما أن القانون لا يحمي «المغفلين»، فالتاريخ لا يرحم «المندهشين»..!

وقد آن للعروبة أن تُغادر دَهشَتَها.

فَكِّرُوا تَصِحُّوا..

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة