تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

أي ثقافة في الزمن الرقمي؟

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

ارتبطت البنية الثقافية للإنسانية – على مدى تاريخها – ارتباطاً وثيقاً.. بالتحولات النوعية الجذرية، التي تعرضت لها – على مدى التاريخ الإنساني – البنية المادية المجتمعية الإنتاجية والتقنية والاقتصادية.. في الأزمنة المتعاقبة؛ الزمن الزراعي، والزمن الصناعي، والزمن ما بعد الصناعي، والزمن الرقمي. فقد كانت البنية الثقافية.. مرآة صافية لتلك الأزمنة. إلا أن ما جاء به الزمن المعلوماتي الرقمي، يُعد «زلزالياً» بكل المعايير.. مقارنة بالأزمنة السابقة عليه. ومن ثم حُق – كما كتبنا مرة في دراستنا حول «الذكاء الاصطناعي وقضايا الوجود ــ المصير الإنساني» – أن يوصف الزمن الرقمي.. بأنه «زمن تحول شامل لكل مفردات وعناصر وبنى الحياة الإنسانية، التي تأتي في مقدمتها البنية الثقافية/القيمية».

وإذا ما تتبعنا تحولات هذه البنية تاريخياً، سوف ندرك مدى حجم الزلزال الذي طالها؛ ففي الزمن الزراعي.. كانت الثقافة تتمحور حول عناصر الأرض والدين والتقاليد الريفية. وتبلورت القيم الثقافية حول الدورات الزراعية والطبيعية والمناخية، والزمنية المستقرة البطيئة، التي لا تخلف مواعيدها قط. أما في الزمن الصناعي.. فقد تمحور حول المدينة، والمصنع، والمعمل، وخط الإنتاج، والطباعة. ومن ثم تقدمت قيم العقلانية، والتخطيط والتنظيم.

ومع الزمن ما بعد الصناعي – الذي حل مع العقد الأخير من القرن العشرين – تولت تقنيات المعلومات.. توجيه وإدارة منظومة الإنتاج، ما نقل البشرية إلى ما يعُرف بمجتمع المعلومات؛ حيث أصبحت شبكات الاتصال والمعلومات.. القوى الفاعلة التي تُشكل الثقافة وقيمها وعناصرها. ولم يمر إلا عقد واحد من القرن الحادي والعشرين.. حتى حل الزمن الرقمي، وبات التدفق المعلوماتي (السيل البياناتي) مادة الإنتاج الاقتصادي، ومحور استهلاك المواطنين كوكبياً. وبالنتيجة، لم تعد الثقافة مجرد منظومة قيم وأفكار، بل أصبحت جزءاً – حسب أحد الباحثين – من البنية الخوارزمية العالمية، التي تتحكم في تشكيل القيم.. عبر الكليبات المصورة الغزيرة؛ التي تحمل القيمة ونقيضها، والفكرة وعكسها، والمعلومة والمعلومة المضادة.. في آن واحد. ما أدى إلى جعل البناء الثقافي دائم التحول في كل لحظة، ومن ثم يصبح الإنسان عرضة لتشكلات ثقافية متجددة.

إذن، لا يُعد الزمن الرقمي.. مجرد انتقال من أدوات قديمة إلى أدوات أكثر تطوراً، بل مثّل تحولاً في الطريقة التي يدرك بها الإنسان الذات، والآخر، والعالم، والزمن، والهوية، والإدراك، والفعل، والاستجابة…، إلخ؛ بمعنى آخر، ينتج كل زمن منظومته الثقافية، أخذاً في الاعتبار.. ان المنظومات الثقافية – المنتجة في الأزمنة السابقة على الزمن الرقمي – كانت تتسم بقدر من الانتظام والاتساق والتراكم. بينما المنظومة الثقافية في الزمن الرقمي، تصبح «ثقافة فائقة» Hyperculture؛ إذا ما استعرنا تعبير الفيلسوف الألماني، الكوري الأصل، «بيونج شول هان» (67 عاماً)، حيث الثقافة لا سقف لها، ودائمة التجدد والتراكم والتكثف. إذ «تتدافع المضامين الثقافية المختلفة، وتتدافع نحو التجاور. والمجالات الثقافية تتكدس فوق بعضها بعضاً وتتداخل فيما بينها»؛ ما يؤدي إلى وجود تباينات ثقافية حادة ومتقلبة، ليس فقط  بين البشر وبعضهم البعض، بل في داخل الإنسان/المواطن/الفرد. تؤدي تلك التباينات الثقافية.. إلى إيجاد «هوية ثقافية فائقة» Hypercultural Identity؛ لدى الإنسان/المواطن/الفرد. ما يحول دون التنميط الثقافي الموجه؛ إذ تتكرس ثقافة دائمة التشكل، يُستعصى إدراكها وإلزامها. 

بلغة أخرى، انتهى زمن الثقافة الصافية الأصيلة والمستقرة.. لمصلحة «الثقافة الفائقة»، التي تحمل الجمع بين التناقضات ــ أردنا أو لم نُرد ــ تتجاوز الفكرة الثنائية، التي تقوم على الإرادة الإنسانية/المواطنية.. القادرة على الاختيار بين القيم الثقافية (إما/أو)؛ ومن ثم النهم المستمر والممتد.. إلى الجمع بين العناصر الثقافية، وإن كانت متناقضة.

وفي هذا نجد «بيونج شول هان» يتذكر فكرة الفيلسوف الفرنسي «جيل دولوز» (1925 ــ 1995).. المستعارة من علم النبات: الريزوم (Rhizome) حول الثقافة. إذ يُشبه الثقافة المعاصرة بـ «الساق النباتية، التي تمتد أفقياً تحت الأرض؛ حيث تنمو من عُقدها.. الجذور نحو الأسفل، والبراعم والسيقان الهوائية.. نحو الأعلى لتكوين نباتات جديدة». ويعني بذلك، أن الثقافة الراهنة تتشكل عبر الشبكات المعرفية غير الهرمية – التي ليس لها مركز أو نقطة بداية وبالتالي نقطة نهاية – حيث يمكن لأي نقطة فيها.. أن تتصل وتتقاطع مع أي نقطة أخرى، بشكل عشوائي ومتشعب.

وبعد، نحن أمام «تبدل جذري لمفهوم ــ ومعنى ــ الثقافة»؛ حسب ما يقول المفكر والمؤرخ الكبير الصديق الدكتور «خالد زيادة»، التي أصبحت متاحة لجميع مواطني الكوكب.. من كل الطبقات والفئات والجماعات والجنسيات ــ بدرجة أو أخرى ــ عبر الدخول الذي لا تراجع عنه.. إلى بوابات الشبكة الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؛ فبمجرد السباحة في البحر الرقمي، يصبح المرء أمام موجات متدفقة من المعلومات والأفكار، والأخبار، واللقطات المتباينة والمتناقضة. وفي هذا يقول «بيونج شول هان»: لقد «حولت الشبكة الرقمية العالم.. إلى بحر لا نهائي» من التدفقات المعلوماتية النصية والمرئية والصوتية. وبالنتيجة، باتت الثقافة في الزمن الرقمي.. تختلف جذرياً عن الثقافة بمعناها القديم المتعارف عليه. فالشبكات والخوارزميات باتت تحدد معالم الثقافة، وما يترتب على ذلك من رؤى وتصورات وسلوكيات، ومواقف، وممارسات حياتية، وإبداعات، وتجليات تعبيرية متنوعة.

الخلاصة، أننا أمام تحول للثقافة.. من كونها بناء متماسك العناصر، متمايز الحدود.. بين العقلي والوجداني، والمادي والروحي، المدني والديني، اللاهوتي والبشري،…،إلخ. لم تعد الثقافة – الآن –  نتاج واقع مادي، يقوم على بنية معرفية تراكمية متدرجة، بل تنطلق من واقع مادي.. يعتمد على صناعة المحتوى؛ من خلال الومضات الرقمية.. بصورها المتعددة والمتنوعة. وهكذا يمكن النظر إلى التاريخ الثقافي للبشرية؛ بوصفه تاريخاً لتحولات متتابعة.. في العلاقة بين الإنسان والزمن والتكنولوجيا والمعرفة، وصولاً إلى المرحلة الرقمية – التي تمثل، في نظر كثير من الباحثين – قطيعة حضارية.. لا تقل أهمية عن الثورتين الزراعية والصناعية، وما بعدهما؛ بما تطرحه من أسئلة جديدة حول الهوية والمعنى والحرية والعدالة والوعي والمواطنة، ومستقبل الإنسان نفسه. 

وبطبيعة الحال، وبعد أن حاولنا الإجابة عن سؤال أي ثقافة نعيشها.. في الزمن الرقمي، أن نسأل أي مثقف نريد؟ وما مهامه في الزمن الرقمي؟

وهو ما نجيب عنه في مقال الأسبوع القادم.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة