تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الجدل الفرنسي حول العنف

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

يحبس الفرنسيون أنفاسهم خلال هذه الساعات.. في انتظار ما ستسفر عنه المظاهرات الحاشدة، التي دعت إليها اليوم جماعة السترات الصفراء؛ فتجربة السبت السابع عشر من أكتوبر كانت صادمة.. بكل معنى الكلمة؛ آلاف المحلات والممتلكات الخاصة تم نهبها وتدميرها، بعض الرموز التاريخية العريقة تعرَّضت للحرق والتشويه.

وَضْعٌ وصفه الكاتب جون كريستوف لورنس – في مقال له حول مظاهرات السبت الماضي – بأنه يترك الانطباع بأن إعصاراً من الدرجة الخامسة.. قد ضرب فرنسا، وينقل نفس المقال عن أحد الفرنسيين – الذين عاصروا مظاهرات عام 1968 – قوله.. إنه لا وجه للمقارنة بين ما تخلل مظاهرات الستينيات من عنف، والعنف الذي اجتاح المظاهرات الأخيرة. رغم عمق التغيير الذي أحدثته مظاهرات الستينيات داخل فرنسا، وترامت آثاره إلى أبعد من حدودها بكثير، ورغم أن أحداث عنف تخللت كافة الحركات الاحتجاجية الأوروبية.. التي تزامنت مع الاحتجاجات الفرنسية، وتميّزت بشدتها في دول مثل بلجيكا وإيطاليا، إلا أنه لا وجه للمقارنة أيضاً مع فرنسا. أما ألمانيا، فإن العنف فيها كان في حدّه الأدنى. 

تم توظيف هذا العنف غير المسبوق في الاحتجاجات الفرنسية.. توظيفاً سياسياً من كافة الأطراف، في إطار التحضير للانتخابات المقبلة.

هذا التوظيف، عبرت عنه صحيفة «لوبروجريه» بـ«النيران المتبادلة بين الجميع»، فقد اتهم الرئيس الفرنسي – في خطابه – مجموعات من اليسار المتطرف والمجرمين.. بالمسؤولية عن أعمال النهب والتخريب. وميّز بين هؤلاء، وبين طلاب الثانويات.. أصحاب المطالب التي وصفها بأنها مشروعة.

وسار معه (مع ماكرون) – في نفس الاتجاه – اليمين المتطرف، معتبراً أن أقصى اليسار يمارس خلط الأوراق.. لحصد أصوات الناخبين، ولو كان ذلك عن طريق إضفاء الشرعية على أعمال العنف، واعتبار فرض النظام قمعاً، والفوضى حقاً.. كما قالت زعيمة «التجمع الوطني»، وانتقد حزب «اتحاد اليمين من أجل الجمهورية» – وهو من نفس التيار – تهديد الجمهورية بواسطة «اليسار الإسلامي».. في إشارة لوجود تحالف بين القوى الإسلامية وقوى اليسار.

أما اليمين التقليدي – مثل حزبَي «الجمهوريين» و«آفاق» – فركز على ضرورة الرد بمنتهى الحزم على المخربين، الذين تسللوا لمظاهرات الطلاب. وعندما نتأمل هذه المروحة من ردود الأفعال، نجد أنها تتقاطع معاً.. في توجيه الاتهام لأقصى اليسار؛ سواء بالتركيز على حزب «فرنسا الأبية» لچون لوك ميلونشون، الذي يمثل المنافس القوي لمارين لوبان.. زعيمة اليمين المتطرف. و بالإشارة لهذا التيار بشكل عام، بما يتسع ليشمل الاتجاهات الفوضوية، تتقاطع هذه الاتجاهات أيضاً.. في التأكيد على وجوب التصدِّي بقوة لكل مظاهر العنف أثناء الاحتجاجات، وإن كان أقصى اليمين ينطلق من المطالبة بإظهار قوة الجمهورية.. كمناسبة للهجوم على تآكل السلطة، واهترائها أمنياً وسياسياً واقتصادياً.

وهناك اتفاق أيضاً – ولو ظاهرياً – على التمييز بين المطالب المشروعة لطلاب المدارس الثانوية وبين المخربين، مع اختلاف حول موقع المهاجرين من الفئة المخربة. ومعلوم أن أقصى اليمين يتخذ موقفاً شديد العداء تجاه المهاجرين عموماً، والمسلمين منهم خصوصاً، ويلقى في هذا الاتجاه دعماً قوياً وواضحاً من جانب الرئيس. أما «حزب النهضة» – أي حزب الرئيس – فإنه يرفض استخدام فزّاعة المهاجرين.. كمصدر لتهديد الهوية الوطنية، والتسبب في المشكلة الاقتصادية، ويعتبر أن ذلك يؤجج مشاعر التمايز بين المواطنين الفرنسيين.

ويقف اليسار وحيداً تقريباً.. في توجيه نقد لاذع لعنف الشرطة الفرنسية في قمع المتظاهرين، ويستثمر حزب «فرنسا الأبية» – بذكاء شديد – واقعة تاريخية مؤلمة.. لممارسة نوع من الإسقاط السياسي على الواقع الراهن؛ ففي مقال «لوبروجريه».. إشارة لتذكير چون لوك ميلونشون بالقمع الوحشي للمتظاهرين الجزائريين.. في ذروة معركة التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي. وبما أن تاريخ هذا الواقعة الدموية – وللمصادفة البحتة – كان 17 أكتوبر 1961، وذروة الاحتجاجات الفرنسية الحالية كانت في 17 أكتوبر 2026، فكأن ميلونشون يريد أن يقول: «ما أشبه الليلة بالبارحة». ومعلوم أن الرئيس ماكرون شخصيا.. كان قد اعتبر ما حدث في عام 1961 جريمة لا تُغتفر، في الذكرى الخامسة والستين للواقعة.

هكذا ينظر كل فريق سياسي للعنف الذي ساد احتجاجات السبت الماضي.. من زاوية واحدة، تخدم مصالحه الانتخابية، حتى لو تسبَّب ذلك في اجتزاء الظاهرة؛ فمبدئياً.. لم يكن المحتجون من فئة واحدة، بل كان فيهم طلاب ومهمشون ويساريون فوضويون وخارجون على القانون. ولكل منهم مبررات للاحتجاج، قد تتداخل مع مبررات الآخرين، لكنها لا تتطابق معها. كما أن لكلٍ منهم – بالتأكيد – أسلوبه المختلف في التعبير عن غضبه.

من ناحية أخرى، لا يوجد ما يثبت بالدليل المادي، أن فئة معينة هي المتسببة وحدها في العنف، وفي هذا الاتجاه تحديداً.. أوضحت المدعية العامة لمدينة باريس، أنه لا يمكنها إطلاقاً التأكد من أن عنف السبت.. مصدره اليسار المتطرف. كما لم تُنشر أي إحصائيات، تفيد أن النسبة الغالبة من مرتكبي العنف هم من المهاجرين. يضاف إلى ذلك، أن الشرطة الفرنسية تعاملت بخشونة بالغة مع المحتجين، وهناك فيديوهات شائعة حول هذا العنف.. يجري التحقيق في بعضها. 

نفتح قوسين للقول.. إن هناك مَن يذهب إلى أن عنف الشرطة، كان مقصوداً ومتعمداً.. بهدف جرّ المحتجين للعنف المضاد، وتأليب الرأي العام عليهم. ويزيد بالقول.. أنه بينما استخدمت الشرطة القوة المفرطة ضد المحتجين السلميين، فإنها غابت عن المواقع التي انتشر فيها المخربون.. لتمكينهم من السلب والتدمير. أما البعض الآخر، فيُرجع عنف الشرطة إلى تغير عقيدتها، والمبالغة في اتخاذ الاحتياطات الأمنية.. في مواجهة الاحتجاجات.

إن فرنسا تمر بمرحلة مضطربة.. في ظل اضطراب أوروبي – بل وعالمي – أشمل. وحتى هذه اللحظة، لم تقدم الحكومة الفرنسية ما يقنع طلاب المرحلة الثانوية، الذين فجّروا الاحتجاجات، بأنها تبذل جهداً حقيقياً لتلبية مطالبهم، فما زالت الاستجابة محدودة، ودون سقف توقعات الطلاب.

وربما رأى المحتجون السلميون كذلك، في رفض ماكرون استقالة وزير داخليته.. نوعاً من المكابرة السياسية، وإنكاراً لدور العنف الشُرطي في تأجيج الغضب. مثل هذه المراجعة للسياسات المتبعة.. لا تضمن إنهاء الاحتجاجات الشعبية، لأننا في موسم انتخابي.. مستمر لستة أشهر، يزايد في أثنائه الكل على الكل. 

لكن مراجعة السياسات سوف تسمح بتهدئة الطلاب، وعودتهم إلى مدارسهم. كما أنها سوف تسحب من اليمين المتطرف.. ورقة المتاجرة بكلٍّ من المهاجرين وأقصى اليسار، من أجل التأثير في أصوات الناخبين واتجاهاتهم.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة