محمد أبوالغار
شهدت مكتبة الإسكندرية مؤتمر الهوية الوطنية.. الذي استمر ثلاثة أيام، وأصدر وثيقة تعزز الهوية المصرية.. من نقاط كثيرة؛ من أهمها الذاكرة التاريخية الممتدة.. التي تتعاقب فيها مراحل حضارية متعددة، وتجسد وعي المصريين بحضارتهم وتراثهم الثقافي؛ بحلقاته المتصلة في المسيرة الحضارية. وقد تابعت ما دار في المؤتمر عن بُعد، وكنت أتوقع أن يناقش قضية مهمة في الحفاظ على الهوية؛ وهي الأرشيف المصري.. الذي يحفظ وثائقنا وتاريخنا وهويتنا.
نحن نعلم أن دار الوثائق المصرية تحتفظ بجميع الوثائق، والخطابات المصرية الحكومية.. منذ عهد محمد علي وحتى عام 1954. وبعد هذا التاريخ، معظم الوثائق المصرية المهمة غير موجودة في دار الوثائق، ويلجأ المؤرخون إلى دور وثائق أجنبية.. لمعرفة تفاصيل اللقاءات بين كبار السياسيين المصريين ونظرائهم من الأجانب، فإذا أراد أحد البحث في لقاء الرئيس السادات مع الرئيس كارتر، فسوف يجد كل سطر بالتفصيل.. متاحاً لأي باحث في دار الوثائق الأمريكية في واشنطن. ولكنه لن يجد شيئاً في دار الوثائق المصرية. في أمريكا يتم حفظ سرية الوثائق لمدة 10 سنوات، ترتفع إلى 25 عاماً.. في بعض الوثائق، وإلى أكثر من ذلك.. في بعض الحالات النادرة. وفي إنجلترا تُحفظ سرية الوثائق 30 عاماً.. باستثناء أشياء ذات أهمية خاصة، وفي فرنسا 50 عاماً.
الأرشيف.. هو ذاكرة الأمة، الذي يحتفظ بهويتها. وفي مصر، يُفرج عن الوثائق السرية.. بعد 15 عاماً، والسرية للغاية.. بعد 30 عاماً، ويجوز مد فترة السرية 20 عاماً أخرى. وحديثاً أذيع – على قناة يوتيوب – حديث للرئيس عبد الناصر، وأعلن نجله أنه صحيح، وأنه هو الذي وضعه على اليوتيوب. وهذه وثيقة مهمة، يجب إتاحتها في الأرشيف. الدستور المصري ينص – في إحدى مواده – على ضمان حرية تبادل المعلومات، وللآن لم يصدر قانون ينظم حرية التداول، ولم يناقش المؤتمر ذلك.. وهو جزء مهم من الهوية.
دخول دار الوثائق القومية كان متاحاً للباحثين، وكان مطلوباً من الباحث.. أن يحدد بدقة موضوع البحث، وبالتالي يحصل على الملفات اللازمة، ويمكن تصويرها في الدار.. مقابل مبلغ زهيد. الآن، هناك صعوبة بالغة.. تصل إلى المستحيل، في زيارة دار الوثائق.. للباحثين الذين يبحثون في أحداث تاريخية عمرها أكثر من 100 عام. والباحث – إذا كانت الظروف تسمح له بالسفر – يمكنه دخول دار الوثائق البريطانية أو الأمريكية.. بسهولة بالغة، وتصوير كل ما يريد. وهذا شيء مؤسف، كنت أتوقع أن يناقش في المؤتمر. وأن يذكر بيانه الختامي.. أهمية الحفاظ على الوثائق، وتطوير الدار.. برقمنتها، وإتاحة الدخول لجميع الباحثين بسهولة. لكن للأسف.. ذلك لم يحدث، بالرغم من أنه جزء أساسي من تحقيق الهوية.
في كتاب سماح سليم «مسامرات الشعب» – الذي ترجمه أمير زكي، وصدر حديثاً عن دار ديوان للنشر – يقول المؤلف.. إنه حين بدأ رحلة بحثه لتأليف هذا الكتاب في دار الكتب المصرية في فبراير 2004، كان فهرس البطاقات الهائل للكتب المطبوعة.. منظماً ومريحاً، ويسير الاستعمال. وحين استخرج رقم مجلة مسامرات الشعب – التي كانت تصدر من 1904 إلى 1911 – وطلب أول خمسة أعداد من هذه المجلة، ذهل عندما جاءته بسهولة، واستمر فترة طويلة يقرأ 174 عدداً من المجلة، وكان مفقوداً من المجلة 12 عدداً.. معظمها من السنوات الأخيرة لصدورها. وعندما عاد المؤلف لدار الكتب بعد 8 سنوات (في عام 2012)، وجد أن المجلة اختفت تماماً من الفهرس الرقمي الجديد، كما اختفى الفهرس المجلد للقصص العربية.. المنشورة بين عامي 1885 و1925. ووجد أن المجلة اختفت من الأرفف.
ويقول.. إن هذه كانت مفاجأة مروعة وضربة غير مسبوقة. ويضيف: انتقل تفكيري إلى المكتبة.. باعتبارها مؤسسة تمثل سلطة الدولة، ويسكنها الباحثون. ثم يقول: إن الحديث عن الأرشيف ركز على أسئلة الإتاحة، وكيف يؤثر اختفاء وثائق، في تحديد مخططات البحث التاريخي. ثم يتساءل عن مشروعات الهيمنة الثقافية، التي تعرقل الخوض في الماضي.
كان خطاب النهضة.. هو حجر الزاوية في الدولة المصرية ما بعد الاستعمار، ويعبر الكاتب أيضاً عن مشاعر القلق، فيقول: إن المواقف الإصلاحية في بداية القرن العشرين، كانت تنظر إلى الثقافة كنوع من المِلكية، والمعنى الميتافيزيقي (الهوية). وهذه رسالة داخل الكتاب.. إلى مؤتمر الهوية، الذي نسي – أو تناسى – أن يذكر الأرشيف المصري، والكتب المصرية – التي احتفظ بها ونظمها أجدادنا – أقفلنا عليها الباب من ناحية، وفقدنا بعضها في ظروف غامضة ومريبة.. من ناحية أخرى. ثم يقول.. إن ما يحدث في مصر، هو ظاهرة استمرت عشرين عاماً في الشرق الأوسط؛ بداية من تدمير الأرشيفات العراقية ونهبها عام 2003، إلى احتراق المجمع العلمي في مصر عام 2011، وفي أماكن أخرى دُمرت الأرشيفات بالإهمال والسرقات والنهب. ويتحدث عن فضيحة استحواذ دار سوذبي البريطانية – ومقرها الرئيسي الآن في نيويورك – على أوراق نجيب محفوظ، وبيعها في ديسمبر 2011؛ وهو أمر غير شرعي، إنه أمر تخلت فيه الدولة عن ممارسة دورها.. في حماية وثائقها وأوراقها الثقافية.
ويقول إن دراسات العلوم الإنسانية في مصر – بسبب غياب الأرشيف، وصعوبة الوصول إليه – تجرى الآن خارج أسوار الجامعات الحكومية. أما الجامعات الخاصة، فهي ليست لها علاقة بالبحث العلمي أساساً، وتجرى بين طلبة مهتمين بالعمل والمعرفة، وعندهم دراية بالبرمجة، وصلة بنظم المنصات الرقمية.. التي تم رفع بعض النصوص القديمة عليها، ومحتوى بعض الأرشيفات الأخرى. وينادي بإنقاذ الأرشيف المصري، وإتاحته للباحثين.
كنت أبحث حديثاً في وثائق مباحثات النحاس مع بريطانيا عام 1936، التي أدت إلى توقيع المعاهدة في ذلك الوقت. وحيث إن دار الوثائق مغلقة تقريباً أمام الباحثين، فقد بدأت أرتب للسفر إلى لندن، لتصوير أوراق المباحثات، وساعدني أحد الخبراء في الإنترنت، على الوصول إلى كافة الأوراق كاملة بالإنجليزية عن طريق الشبكة العنكبوتية، حيث إنها موجودة على الأرشيف الإلكتروني لجامعة قطر. أين المصريون من هذا، ونحن نغلق أرشيفنا الذي يمثل هويتنا؟
أتوجه إلى مكتبة الإسكندرية، وكل الذين شاركوا في مؤتمر الهوية.. أن يضيفوا ملحقاً لتوصياتهم، بأهمية الأرشيف، والحفاظ عليه، وإتاحته للباحثين؛ لأنه من العيب أن يكتب تاريخ مصر أجانب.. عندهم القدرة للوصول إلى الأرشيفات الأوروبية والأمريكية، ويُحرم المصريون من كتابة تاريخ بلادهم، والتأكيد على هويتهم.
(قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك)
نقلاً عن «المصري اليوم»