تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الصحافة الكوميدية!

M.Adam
عبدالله عبدالسلام 

عبدالله عبدالسلام

هذا ليس مقالاً ساخراً من الصحافة، لكنه عن فن صحفي.. تطور عبر السنين، ووصل إلى صورته الحالية.. التي تمزج بين تقديم الأخبار والمعلومات الواقعية، وأساليب الكوميديا والهجاء السياسي. الصحافة الساخرة.. نشأت منذ بدايات الصحافة. في القرنين السادس والسابع عشر، انتشرت في بريطانيا وفرنسا.. المجلات التهكمية، التي تنتقد الأوضاع الطبقية والفساد. وفي النصف الثاني من القرن 19، ازدهر هذا الفن الصحفي في مصر، ظهر كُتاب ساخرون عظماء؛ مثل يعقوب صنوع وعبد الله النديم، ثم تواصلت أجيال الإبداع الساخر، التي زيَّنها مبدعون كبار؛ مثل محمد عفيفي ومحمود السعدني وأحمد رجب وجلال عامر وآخرين.

الصحافة الساخرة.. لا تعتبر الإضحاك غاية، بل هي أداة نقد لاذعة.. للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. الكاتب الساخر.. صاحب رسالة، يستخدم السخرية وسيلة. أما الصحافة الكوميدية، فتركز بالأساس.. على الإضحاك والتسلية، وهي تنقل الأخبار بطريقة خفيفة وجذابة؛ هدفها تبسيط الأحداث، وصنع نُكت سريعة.. بشأن الأحداث اليومية. 

مع تفاقم أزمة الصحافة التقليدية، برز مصطلح اسمه.. «النفور الجماعي من الأخبار»؛ كثيرون عبر العالم، لم يعودوا يتابعون أخبار الحروب والأزمات، والانهيارات المالية والأحداث الكئيبة. انعكس ذلك في عزوف الناس عن شراء الصحف، أو متابعة المواقع الإخبارية. 

الصحافة الكوميدية تحاول.. كسر جمود وجفاف المادة الخبرية، وتجعل القضايا المعقدة؛ كالتضخم والتغير المناخي.. جذابة بصرياً، ومفهومة للشخص العادي.

الصحفيون، الذين يروجون للصحافة الكوميدية، يرونها مثل «الطُعم» الذي يجذب الجمهور مجدداً.. لمتابعة الشأن العام، هي لا تتصادم مع أدوار الصحافة التقليدية؛ خاصة الرصينة، والمتمثلة في الغوص بالتفاصيل.. من خلال التقارير والتحقيقات المُعمّقة. في الماضي، اعتمدت الصحافة الساخرة أساساً على كُتاب يكتبون مقالات ساخرة عما يجري، كانت أقرب إلى صحافة رأي تهكمية. الآن، الصحافة الكوميدية تستخدم معظم فنون الصحافة كالخبر والتقرير – وحتى التحقيق – بشكل مضحك وساخر وجذاب، لم تعد قاصرة على الورق. البرامج التلفزيونية الساخرة.. تندرج تحت هذا المُسمى، عشرات البرامج الساخرة في أمريكا وبريطانيا تستخدم التقارير، التي ينتجها المراسلون الصحفيون، بشكل ساخر ويشاهدها جمهور أكثر بكثير.. ممن يتابعون الصحافة التقليدية. برنامج باسم يوسف «البرنامج» – عقب 25 يناير – مثال بارز للصحافة الكوميدية.

هذا الفن الصحفي.. يلعب دوراً مهماً آخر، وهو «مُراقبة المُراقِب»؛ أي أنها تكشف «عورات» المؤسسات الإعلامية والصحفية وتحيزاتها، والأخطاء التي تقع فيها. الجمهور يُقبِل على ذلك، لأنه يريد معرفة كواليس العمل في مؤسسات الصحافة والإعلام، التي تنتقد الجميع.. إلا نفسها. لا يعني هذا أن الصحافة الكوميدية.. هي الحل لأزمات الصحافة التقليدية؛ لكنه يعني أنه – في عالم تحولت فيه الأخبار إلى أرقام صماء؛ مثل أعداد الضحايا ونسب التضخم وأسعار الأسهم والصفقات – هناك حاجة لأداة تُعيد الجانب الإنساني والعاطفي.. إلى المشهد.

وكما قال باحث أمريكي: «الصحافة الكوميدية تجعل الحقائق المريرة.. قابلة للبلع، وتُذكِّرُنا دائماً بأن السخرية من الألم.. هي الخطوة الأولى لمقاومته وتجاوزه». صحافتنا أصبحت ثقيلة الدم، عسيرة الهضم. الجمود والرتابة، وغياب التنوع، وتشابه صياغة الأخبار.. سمات تأصلت فيها. 

لا عجب.. أنها لم تعد تجتذب شعباً «ابن نُكتة»؟ ربما تُنقِذها الصحافة الكوميدية.. من حالة الكآبة الملازمة لها.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة