تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

رؤية لمستقبل اليمن «2/2»

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

انتهى المقال السابق.. إلى تفضيل خيار التسوية السياسية للصراع في اليمن؛ انطلاقاً من اعتبارين أساسيين؛ أولهما: أن الخبرة الماضية للصراعات الداخلية في الوطن العربي، تشير بحسم إلى فشل الخيار العسكري في حسمها. والثاني: التكلفة الإنسانية الباهظة لحسم هذه الصراعات عسكرياً. وهو ما شاهدناه عبر العقود في السودان والعراق ولبنان وسوريا وليبيا وغيرها، ونشاهده في اليمن منذ 2014، وتقديرات الخسائر في الأرواح والمصابين مرعبة، ناهيك بالتدهور الهائل في نوعية الحياة.. من صحة وتعليم وغيرهما، وتدمير البنى التحتية، ومشكلات النزوح واللجوء. 

وقد حرصت على تأكيد أن خيار التسوية السياسية، لا يعني إسقاط العمل المسلح؛ فبدونه لا يمكن التوصل لتسوية عادلة. غير أن الفارق يكمن في الهدف الاستراتيجي، فاستخدام السلاح – في ظل خيار التسوية – يهدف إلى تحسين الميزان التفاوضي، بعكس الخيار العسكري.. الذي يعني أن حسم الصراع ممكن عسكرياً. وينبغي ألا يتصور أحد أن خيار التسوية سهل، فهو ينطوي على تعقيدات كثيرة، ليس من السهل تجاوزها. ويتطلب شروطاً معينة.. من الصعب توفيرها، كما أنه (أي خيار التسوية) من المستحيل – في ظل الظروف الراهنة – أن يتم عن طريق طرفي الصراع المباشرين.. دون مشاركة أطراف خارجية. ومع ذلك، فإن إنقاذ الأرواح البريئة، وحماية مقدرات الأوطان.. يستحق العناء.

وأول متطلبات التسوية، أن يعترف «أنصار الله» بأن الصراع يدور مع طرف يمني آخر، وليس مع السعودية. ذلك أن الحوثيين.. يصرون على أن الصراع ليس مع الحكومة الشرعية، وإنما مع السعودية. وصحيح أن لها (أي المملكة العربية السعودية) دورها المهم في الصراع، لكن هذا لا يمكن أن يعني غياب الحكومة الشرعية.. عن أي مفاوضات تُجرى للتسوية. وبالمناسبة فإن الحوثيين ينكرون هذا المصطلح، ويدفعون بعدم وجود شرعية أصلاً.. منذ أن تم تشكيل مجلس القيادة اليمني في أبريل 2022. وبالنسبة لهم، فإن أي حديث عن الشرعية قد انتهى.. بإزاحة الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي رحمه الله، وكأن لسان حالهم يقول «أصبحنا سواسية». 

ومما يؤكد هذا التوجه لدى الحوثيين، أن الشرعية لم تكن ممثلة في جولتي التفاوض اللتين أُجريتا في صنعاء والرياض.. بعد عودة العلاقات بين السعودية وإيران، بموجب اتفاق مارس 2023. وما لم يتم اعتراف الحوثيين.. بأن ثمة طرفاً يمنياً آخر في المعادلة، سوف يكون من المستحيل التوصل إلى تسوية، ويحتاج تحقيق هذا المطلب.. إلى ضغوط قوية، من خارج طرفي الصراع المباشرَين. 

أما «الشرعية اليمنية»، فعليها أولاً.. أن ترمم صفوفها؛ ذلك أنه بدون جبهة داخلية قوية ومتماسكة، لن يكون التوصل لتسوية مشرفة ممكناً؛ فلدينا من الخلافات بين فصائل الشرعية ما يضعفها، وعليها ترقية قدراتها.. من أجل تحسين وضعها في مباحثات التسوية.

غير أن للصراع سياقه الإقليمي؛ فالسعودية هي الداعم الرئيسي للشرعية. وإيران تلعب الدور نفسه.. بالنسبة للحوثيين. ويُلاحظ أنه عندما تميز هذا السياق بالانفراج بعد اتفاق مارس 2023، لم ينعكس هذا الانفراج – بأي حال – على مجرى الصراع رغم محاولتي التفاوض اللتين تمتا بعد توقيع الاتفاق، وهو ما يؤكد مبدأً أرسته الخبرات الماضية لتسوية الصراعات، ومفاده أن العوامل الداخلية.. هي ما يُعَوَّل عليها في التوصل للتسوية. 

غير أن ثمة ملاحظة واجبة تتعلق بالتصعيد الحالي في الصراع؛ فبينما لم يؤدِّ اتفاق مارس 2023 بين السعودية وإيران.. إلى تقدُّم في عملية تسوية الصراع، فإن عودة التوتر بينهما بسبب الحرب على إيران.. هي – بالتأكيد – سبب رئيسي في التصعيد الأخير، بالنظر إلى الاستراتيجية الإيرانية.. المتعلقة بالسيطرة على الممرات المائية الحيوية، من أجل مفاقمة أزمة الطاقة عالمياً؛ كي يتم الضغط على ترامب للإسراع بإنهاء الحرب. ويعني هذا – رغم ما رأيناه من عدم انعكاس انفراج العلاقات السعودية-الإيرانية.. إيجاباً على الصراع اليمني – أن توتر العلاقات قد انعكس عليه سلباً.. كما نشاهد الآن. ويعني هذا، أن مسار التسوية سيكون متعثراً، ما لم يتم حل الملف الإقليمي المتعلق بالحرب على إيران. وهو حل لا تملك الأطراف اليمنية والعربية مفاتيحه وحدها.

ويبقى السؤال الأهم في المسألة برمتها، وهو المتعلق بمحتوى التسوية التي يجب السعي لتحقيقها. ونقطة الانطلاق هنا، أنها لا يجب بحال أن تكون بطريقة توزيع المكاسب بين طرفي الصراع، وإنما أن تكون نابعة من الشعب اليمني ذاته.. صاحب الحق الوحيد في اختيار نظام الحكم.. الذي سيقبله إطاراً لمستقبله. وقد كان لليمن تجربته الرائدة في عقد مؤتمر الحوار الوطني (مارس 2013 ــ يناير 2014) التي أفرزت حلولاً مهمة لبعض من أهم الإشكاليات.. التي كانت مطروحة آنذاك. وأعلم بوجود انتقادات لأداء هذا المؤتمر، لكن إيجابياته كثيرة، وأعلم أن جمع ممثلي الشعب اليمني صعب.. في الظروف الحالية، لكن خطورة الأوضاع التي يواجهها اليمن، والاحتمالات المترتبة عليها، يجب أن تدفع الجميع لاستكشاف جميع السبل والوسائل، التي تمكن من الوصول لأدق تصور ممكن.. عما يريده الشعب اليمني لمستقبله، ولو تمت على مراحل وفي أماكن مختلفة. 

ويجب أن تبادر النخب اليمنية.. بالسعي الجاد – بكل الوسائل – في هذا الاتجاه. ويجب أن تقدم كل الدول الصديقة والمحبة لليمن.. يد المساعدة في هذا الصدد؛ بالاستضافة والرعاية لهذه الجهود. وثمة إبداع مطلوب في تصور صيغة الحكم المستقبلية.. في اليمن الفيدرالي الديمقراطي الموحد؛ وهي صيغة يجب ألا تستبعد أحداً، ولا تكتم صوتاً.. حتى ولو كان صوت أقلية عددية. 

يستحق اليمن من أبنائه وبناته.. أن يفعلوا أقصى ما في وسعهم من أجل إنقاذ وطنهم الجميل من الخراب، ويستحق من محبيه.. أن يمدوا له يد المساعدة بكل إخلاص وتجرد. 

حفظ الله اليمن.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة