تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

المعنى الذي في بطن الشاعر

M.Adam

أحمد الجمال

يظل التدافع بالشد والجذب قائماً بين الطرفين، إلى أن يجد كاتب الرأي نفسه، وقد خلق لذاته سقفا وخطا داخليين.. في ذهنه، يلتزم بعدم تجاوزهما؛ دون أن يتدخل الطرف الأول مباشرة، وبدون تدافع.. ليرتاح الطرفان، ولو مؤقتاً. 

وعادة ما يفسر الكاتب أو صاحب الرأي.. الأمر؛ وفق قواعد وأمثلة كثيرة، مثل «ما لا يُدرَك كله، لا يُترَك كله»، و«ليس في الإمكان أبدع مما كان»، و«اختيار أخف الضررين أوجب»، أو عندما سأل الأسد الثعلب عمن علَّمه حكمة عدم المطالبة بأي نصيب في الصيد، فأجاب الثعلب.. «رأس الذئب الطائر». وما يتصل بذلك من أمثلة شعبية صاغتها خبرة الناس عبر العصور؛ «إذا رأيت الناس تعبد جحشاً فقم بحش البرسيم له»، و«من يتزوج أمي أقول له يا عمي»، و«العين لا تعلو على الحاجب.. والمياه لا تطلع في العالي»، وصولاً إلى نصوص مقدسة – أو متواترة – تتضمن الأمر الوجوبي بطاعة من بيده الأمر، حتى لو كان أقل شأناً ممن يحكمهم، ومنها نصوص في الإنجيل والقرآن والحديث.

وقد يزداد الأمر وطأة، إذا ما اعتقد الطرف الأول.. مثلما اعتقد عثمان بن عفان – رضي الله عنه – عندما تحرك الناس لعزله، فقال قولته الشهيرة: «لم أكن لأخلع سربالاً سربلنيه – (أي.. رداء ألبسنيه) – الله»، وحدث ما حدث من فتنة كبرى.. ما زالت تمسك بخناق قطاعات عريضة من المسلمين. ثم إن التراث التاريخي، فيه حكاية حدثت للخليفة العباسي المعتضد بالله – ويقال إنه كان المأمون أو المتوكل – وبصرف النظر عن الاسم، إلا أنها وقعت؛ إذ تلقى الخليفة رسالة من أحد الخصوم، وفي ظاهر لفظها دعاء بليغ وتمنيات أكثر من طيبة، وتقول: «أدام الله لك أيام النحل، وجعل كتابك في عليين، وحشرك الله مع الأبرار، وجعلك كأصحاب الكهف، وأقر عينك، وأسكن قلبك…» إلى آخره. 

وابتهج الخليفة بهذا المدح والثناء، إلى أن برز أحد الحضور، وفسر العبارات، وفكك مراميها اللغوية، ليتنبه الخليفة لما فيها من هجاء ودعاء بالخسارة والهلاك؛ إذ قال ذلك الذي فسرها إن «أدام الله لك أيام النحل» يُقصد بها ظاهرياً أيام العسل والخير، ولكن معناها الحقيقي أن النحل يموت إذا خرجت ملكته، أو يُقضى عليه عندما يؤخذ عسله، فيكون اللسع والاضطراب. أما عبارة «وجعل كتابك في عليين» فظاهرها الرفعة والمكانة العالية في الجنة، وحقيقتها أن كتاب عليين.. لا يفتح ولا يوضع فيه اسم الشخص، إلا بعد وفاته؛ وهو هنا يدعو عليه بالموت العاجل. 

وأما عبارة «وحشرك الله مع الأبرار».. فظاهرها مرافقة الصالحين والأنبياء، وحقيقتها أن الحشر مع الأبرار لا يكون إلا يوم القيامة، أي بعد الموت والبعث؛ فهي دعوة مبطنة بإنهاء حياته. ثم إن ظاهر عبارة «وجعلك كأصحاب الكهف» فهو المعجزة والذكر الخالد، وحقيقتها أن أصحاب الكهف ضُرب على آذانهم وناموا سنين طويلة معزولين عن الدنيا وعاجزين، أي أنه دعا عليه بأن يجعل الله ملكه في نوم وعجز وذهاب. ثم إن «أقر الله عينك» أي أغلقها إلى الأبد، و«أسكن قلبك» فظاهرها الطمأنينة وحقيقتها التي أرادها صاحب الرسالة هي.. توقف قلبه عن النبض! 

وتلك الحكاية، تدخل ضمن التحايل الذي قد يلجأ إليه صاحب الرأي المعارض لولي الأمر، أي تحت السقف الذي لا يمكن تخطيه. ولعل البعض يذكر الواقعة.. التي حدثت مع نيكيتا خروتشوف – زعيم الاتحاد السوفيتي – وهو في مؤتمر كبير، وورد على لسانه عبارات تذم وتنتقد سلفه ستالين، وتلقى ورقة من القاعة كُتب فيها: «لماذا لم تقل هذا الكلام فيما كنت موجوداً مع ستالين؟» وليس عليها توقيع، وسأل عمن كتبها، فلم يرد أحد، فأجاب: «كنت مثلك في الموقف نفسه»! 

وبالمناسبة، فإن مجال الشعر العربي.. لم يخلُ من هذه السمة، ومن أشهر الأبيات التي التبس ظاهرها بالمدح، وباطنها الهجاء اللاذع، بيت للشاعر الحطيئة – في هجاء الزبرقان بن بدر – على أيام الخليفة عمر: «دع المكارم لا ترحل لبغيتها.. واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي». وفهم الزبرقان أنه يهجوه، ولكن الحطيئة أكد أنه يمدحه، وشكاه لعمر، الذي استدعى الشاعر حسان بن ثابت ليفصل في الأمر، فقال حسان: «ما هجاه بل سلح عليه، أي ذمه بأقبح الذم»؛ لأن معنى البيت: اترك المكارم لأهلها، فلست كفؤاً لها، واقعد في بيتك كالعاجزين، فقصارى جهدك في الحياة، أن تأكل وتلبس.. دون أي أثر أو مروءة. 

وهناك أبيات أخرى للمتنبي.. مبطنة، ظاهرها مدح وحقيقتها هجاء مقذع.. قالها لكافور الأخشيد! وغاي القول – في هذا السرد – أن المجتمع الذي يخلق فيه صاحب الرأي سقفا لا يتجاوزه، أو يلجأ فيه للحيل اللغوية.. مجتمع وصل مرحلة الخطر، والله أعلم.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة