وجيه وهبة
«من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره».. هي مقولة شهيرة للفيلسوف «جورج سانتيانا». والذاكرة هي خزانة المعرفة، وصمام أمان، ودرع واقٍ من الزلل وتكرار الأخطاء، ولذا فإن عطب مركز الذاكرة في «المخ» – مع تقدم السن أو لأسباب أخرى – كثيراً ما يمثل خطراً شديداً على الحياة ذاتها، وأشهر تلك الأعطاب.. هو ما يعرف بمرض «الألزهايمر». والمصاب بهذا المرض، يفقد ذاكرته المعرفية تدريجياً؛ ترتبك عنده العلاقة بالزمان والمكان والأشياء والأسماء، وبالتالي ترتبك الحواس أيضاً، ويتبدَّى الخرف بوضوح، وتسقط كل المعاني، ويصاب المبتلى بنوع ما من «التشيؤ».. بدن حي.. بلا روح.
والشعوب.. مثل الأفراد، من الممكن أيضاً أن تعرض لنوع من «أعطاب الذاكرة التاريخية»، أو ما يمكن أن نسميه «ألزهايمر الجمعي»، ولكنها غير «بيولوجية» بالطبع، أعطاب ناجمة عن سياسات متعمدة لتكريس شرعية النظام، وذلك عبر اللعب في الذاكرة التاريخية الجمعية.. بإجراء عمليات «مونتاج» للتاريخ.. قصقصة، وحذف، وحجب، وإخفاء هنا، وإظهار، ومبالغة، وتحريف هناك، وكذب، وانتحال للوقائع. وإذا لم تتوافق بعض الوقائع التاريخية مع هوى البعض من الناس يتعامل هؤلاء مع الذاكرة التاريخية الحية باعتبارها «حية تسعى» لإفساد الحاضر والمستقبل، ولذا يجب محوها… قتلها، وتنادوا بالكف عن الاستغراق في الماضي، ودعوا إلى النظر للأمام… إلى المستقبل، ليحولوا نظر الناس عن رؤية عورات الحاضر.
وهنا قد يتساءل البعض: وكيف يمكننا التحقق من سلامة «الذاكرة التاريخية» من العطب؟ أوليس هذا هو دور المؤرخين؟ والإجابة: بلى، ولكن عن أي مؤرخين نتحدث في يومنا هذا، في بلدنا هذا؟ لقد اختلطت الأمور وذابت الحدود بين المهن، وتبودلت الأدوار، فلا نعرف المؤرخ من الناشط السياسي من الصحافي، وتعسر التمييز بين من يقول الحق ومن يتقول على الحق، ونرى من وصفهم «هيجل» بأصحاب «الخيال المتغطرس» يشوهون التاريخ بوضع «الأوهام الذاتية بجرأة، مكان البيانات التاريخية التفصيلية والحقائق الراسخة».
وتاريخنا القريب… تاريخ «مصر القرن العشرين»، لَخير شاهد على هذا الخلط والاضطراب، فإذا حاول أحد الاقتراب من فحص وتمحيص وقائعه اليوم، فلسوف يقع في براثن كتابات تتسم بقدر كبير من التحيزات المسبقة، المشوبة بكل ما أشرنا إليه، باستثناء قلة قليلة؛ تمثلت في مؤرخين من أمثال «الرافعي» و«أحمد كمال باشا»، وغيرهما.. ممن لم تفح رائحة انتماءاتهم الفكرية بطريقة فجة.. من بين ثنايا السطور، أو في ما يذكرون من وقائع، وما يتغاضون عن ذكره. فإذا عرضنا – على سبيل المثال – إلى نظام الحكم في النصف الأول من ذلك القرن.. اختزل البعض الأمر اختزالاً مخلاً إلى نظام حكم ملكي، وأحزاب فاسدة متنازعة.. متنافسة في الحصول على رضاء الملك «الفاسد» والإنجليز، نظام ورط البلاد وجيش البلاد في حرب «فلسطين».. بغير أن يكون معداً ومستعداً بالإعداد والاستعداد الكافي، مما أسفر عن «النكبة»، هذا بينما يرى البعض الآخر في كل ذلك نوعاً من المبالغات الممجوجة، وأن سلبيات ذلك العهد تهون أمام إيجابياتها كدولة ناهضة.. تتلمس أولى خطى استقلالها الكامل ونهضتها وديمقراطيتها الليبرالية الناشئة، تلك التي تجلت ثقافياً وفكرياً وفنياً في العشرات والعشرات من رموز النهضة والتنوير ممن تقصر الذاكرة ويضيق المجال عن حصرهم جميعاً.
أما إذا عرضنا للنصف الثاني من ذلك القرن، «العهد الجمهوري»، عهد «الضباط الأحرار»، نجد أنفسنا أمام من يختزلون الأمر في أن مجموعة من الضباط صغار السن عديمي الخبرة، قد انقلبوا على السلطة الشرعية الممثلة في الملك الدستوري، وأوقفوا تطور الحياة الديمقراطية الحزبية النيابية وعطلوا الدستور، ومضوا بالبلاد في طريق حكم الفرد، ذلك الذي أدى إلى مهالك معارك وحروب كان يمكن تحاشيها: «حرب السويس 56» و«حرب اليمن»، و«النكسة» في العام 1967، وتبعاتها، إلى انتصار 1973، والذي كان له أيضاً أثمان باهظة وتبعات، ليختتم القرن.. بحكم حاكم جلس على «العرش الجمهوري» ثلاثة عقود من الزمان.. متناسياً دروس التاريخ عن مآل حكم الفرد. هذا بينما يرى البعض الآخر في ذلك العهد الجمهوري.. عهداً جديداً استكمل تحرير البلاد من الاستعمار، وسعى جاداً نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة ومجتمع الحداثة، وحصلت فيه المرأة على حقوقها السياسية، وقامت نهضة تنموية مرتكزة على بناء السد العالي وحركة تصنيع كبرى، وتعاظم الدور المصري وثقله في المنطقة والعالم.
والخلاصة أن كل ما ذكرناه عن بعض الأحداث المفصلية – التي جرت في القرن الماضي بعهديه الملكي والجمهوري – هو حقيقي في شقيه: الـ«مع» والـ«ضد»، وهو في واقع الأمر رؤوس موضوعات، ولكن وكما يقولون الشيطان يكمن في التفاصيل.. والتاريخ تفاصيل.
وبمناسبة الحديث عن التاريخ، من أعجب الأمور أن يكون لدينا كل هذا العدد من المحطات والقنوات التليفزيونية الحكومية بلا مبرر واضح، قنوات تبحث عن «حشو الوقت» بأي طريقة، قنوات متشابهات ولا نجد أي تنوع يميز الواحدة عن الأخرى. ومن عجائب الأمور أيضاً – مع كل هذا العدد من القنوات – ألا تكون لدينا قناة «تاريخ» متخصصة.. مثل باقي الأمم المتحضرة، التي لا تملك تاريخاً.. يمثل عشر معشار تاريخنا المصري العريق، الغني بتنوع وكثرة أحداثه وأبطاله… وأنداله أيضاً. ولأننا نعلم أن حكومتنا «فقيرة جداً»، فإنه من الضروري أن تعجل فوراً بترشيد إنفاقها، واختصار هذا العدد من المحطات والقنوات والإذاعات الإعلامية الحكومية، ووقف نزيف «الصرف الإعلامي» والإنفاق على إعلام.. ليس من ورائه طائل.
نقلاً عن «المصري اليوم»