تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

حروب أمريكا والشرق الأوسط الجديد القديم «2ـ2»

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

في مقالها بدورية «فورين أفيرز» لشهر سبتمبر 2026.. «لماذا يجب علينا أن نحارب، وأين أخطأ ترامب؟».. الذي عرضناه أمس، أكدت الباحثة الأمريكية والسياسية الأمريكية «كوري شاكه» صحة قرار الحرب وضرورته، إلا أنها انتقدت إدارة ترامب في تسييرها، إذ غابت عنها الاستراتيجية السياسية، ومن ثم فقدت القوة العسكرية البوصلة، أو ما أطلقت عليه القوة الحاسمة القادرة على تحقيق الأهداف المرجوة من الحرب، ومن ثم إنهاؤها وفق الخطة الموضوعة سلفاً.

ومن ثم خلصت الباحثة – التي لا تعترض على الحرب مبدئياً ـ إلى «لا جدوى الحرب»، إذا ما فقدت الاستراتيجية السياسية والقوة الحاسمة، وهو ما يتجلى في سوء إدارة ترامب للحرب؛ الذي يتجلى في انفصال القرار السياسي عن التقدير/التخطيط العسكري، وعدم اتساق القوة المستخدمة.. مع الأهداف السياسية المعلنة. 

بطبيعة الحال، يثير ما خلصت إليه «شاكه».. أسئلة عدة، حول تداعيات سوء الإدارة الترامبية على الإقليم، منها: ما الذي ستؤدي إليه الحرب الأمريكية بالإقليم الشرق الأوسطي.. الذي صاغته واشنطن نفسها على مدى عقود؟

وهل سيفلح الإفراط في استخدام القوة العسكرية الأمريكية في إعادة تشكيل الإقليم؟ أم سينتج توسيع النطاق الحربي بين حرب رئيسية وحروب فرعية إعادة إنتاج للشرق الأوسط القديم؟

هذه الأسئلة.. وغيرها يجيب عنها أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن (المتخصص في شؤون الشرق الأوسط «مارك لينش»، الأستاذ الفخري بجامعة تكساس)، والزميل المشارك في معهد الشرق الأوسط «جريجوري جاوس»، في مقاليهما التاليين لمقال «كوري شاكه» في نفس العدد من دورية «فورين أفيرز».

ففي هذين المقالين، ينقلنا الكاتبان من تقويم الحرب، ومدى جدواها – من حيث إدارتها كما فعلت «كوري شاكه» – إلى «مآلات الحرب». فبالنسبة لمقال «مارك لينش»، كان عنوانه: «نهاية الشرق الأوسط الأمريكي: إيران والنفس الأخير لنظام فاشل The End of the American Middle East: Iran & the Last Gasp of a Failed Order»؛ في هذا المقال، يضع مارك لينش المسألة في إطار أكثر جذرية؛ ففي رأيه، أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.. قد كشفت أن «الشرق الأوسط الأمريكي» – الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية منذ حرب الخليج الثانية عام 1991 – قد بلغ نهايته أو – على أقل تقدير – بلغ آخر مراحله. فقد قامت الهندسة الأمريكية للمنطقة على خمس ركائز:

الركيزة الأولى: قواعد عسكرية وانتشار أمني واسع. 

الركيزة الثانية: احتواء إيران والعراق. 

الركيزة الثالثة: ضمان أمن إسرائيل. 

الركيزة الرابعة: حماية الحلفاء العرب. 

الركيزة الخامسة: تأمين طرق الطاقة والتجارة. 

واعتمدت تلك الهندسة.. على استراتيجية تنطلق من أن الولايات المتحدة الأمريكية، قادرة على إدارة التوازنات الإقليمية الشرق أوسطية.. من موقع القوة المهيمنة.

لكن الحرب الأخيرة كشفت مفارقة كبرى؛ تستطيع الولايات المتحدة أن تستخدم قوة عسكرية هائلة، لكنها لم تعد قادرة – بالسهولة نفسها – على التحكم في النتائج السياسية والإقليمية لهذه القوة أو الهيمنة، التي تم إقرارها زمن بوش الابن على الإقليم؛ ذلك لأن كثيراً من الأضرار الجسيمة قد طالت الإقليم.. على مدى العقود التي تلت حرب الخليج الثانية، ما أدى إلى إصابة الإقليم – حسب «لينش» – «بتصدعات في الأساس Cracks In The Foundation»؛ وبالعديد من «اللكمات المزدوجة المؤثرة One/Two Punch»؛ أدت ــ هذه التصدعات وتلك الضربات ــ إلى «تدمير الشرق الأوسط الأمريكي THE Ruin of America’s Middle East»؛ ما أدى، بالأخير – حسب «لينش» – إلى تقويض الترتيب الأساسي الأمريكي للإقليم.. الذي لن يكون من «السهل إعادة بنائه». 

ويخلص «مارك لينش» – في ختام مقاله – إلى أن «الزمن قد تغير»، وأن كل المؤشرات تشير إلى أن «النظام الإقليمي ـ الذي تأسس قبل أكثر من ثلاثة عقود ـ آخذ في الانتهاء، وقد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة أمام القادة الأمريكيين لتغيير المسار. وإذا عجزوا عن ذلك، فسوف يشاهدون الشرق الأوسط الأمريكي يتلاشى، تماماً كما تلاشت الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقته».

بالنسبة إلى مقال «جريجوري جاوس» المعنون.. «الشرق الأوسط الجديد القديم: حروب الصوت والغضب The New Old Middle East: Wars of Sound & Fury»؛ فيتناول زاوية تحليلية.. تنطلق من سؤال: أي شرق أوسط سينتج عن الحرب الدائرة؟

ويجيب الباحث، بأن الشرق الأوسط – في تقديره – لم يدخل ببساطة عصراً جديداً.. تحل فيه ترتيبات جديدة محل القديمة؛ وإنما ما زالت المنطقة محكومة بقوة الدول الإقليمية الكبرى، وبضعف إقليمي، وبالفراغات السياسية التي تسمح بالتدخل الخارجي، وبالصراع الإيراني-الإسرائيلي، وبالمنافسة بين القوى العربية نفسها. ولذلك، فإن «الشرق الأوسط الجديد» – الذي بشرت به الحروب والتدخلات – لم يزل على قديمه. أو بلغة الباحث: «إن آفاق قيام شرق أوسط جديد تبدو قاتمة The prospects for a new Middle East are dim»؛ ذلك كما يقول الباحث في نصه: «لأن الديناميات والمصالح الأساسية في الشرق الأوسط لم تتغير بصورة ذات معنى».

كما أن اشتعال الحروب ـ خاصة بتلك الطريقة المتمددة/المتواصلة على أكثر من جبهة – إضافة إلى خلخلة الاستقرار، وعدم حسم كثير من الملفات الشائكة المزمنة، وفقدان الثقة في الوعود الأمريكية.. السياسية والعسكرية والاقتصادية، لا يعني بالضرورة التغيير في بنية النظام الإقليمي. فقد تتغير الخرائط، وتتغير الحكومات، وتتغير مستويات القوة العسكرية، لكن تبقى المشكلات التي أنتجت الصراع قائمة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الحروب التي شُنت لتغيير الشرق الأوسط أسهمت – في أحيان كثيرة – في إعادة إنتاج شروط عدم الاستقرار، التي جعلت التدخل العسكري الأمريكي يبدو ضرورياً من جديد.

وبالنتيجة، دخل الشرق الأوسط – على مدى العقود الثلاثة المنصرمة – حسب أحد الباحثين، في دائرة خبيثة مغلقة؛ حرب لتثبيت النظام، ثم اضطراب بسبب الحرب، ثم حرب جديدة لمعالجة الاضطراب، وهكذا دواليك. 

وبعد، إن خلاصة قراءة المقالات الثلاث، لا تتحدث عن قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الحرب، وإنما على.. سوء إدارة الحرب وفقدانها استراتيجية ناجزة؛ ومن ثم انكشاف ما أصاب الإقليم من تصدعات على جميع الأصعدة، وسقوط الزعم الأمريكي الذي ساد لزمن، بأن استقرار الإقليم ينبع من فرض الهيمنة المُفترسة Predatory Domination؛ حسب «مارك لينش»، لذا فكل ما سبق يعني بقاء الإقليم في حالة حرب لفترة من الزمن.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة