تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

حول فكرة مقايضة الساحات

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

بشكل متزامن تقريباً، شهدت ساحتان من ساحات النفوذ الإيراني تطورين مهمين.. خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ التطور الأول: هو تحييد إسرائيل تلة «علي الطاهر» – ذات الأهمية الاستراتيجية في الجنوب اللبناني – بعد تدمير جانب كبير من شبكة الأنفاق الضخمة الواقعة أسفلها. والتطور الثاني: هو التقدم السريع لجماعة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن، وسيطرتهم على عدد من المواقع الاستراتيجية المهمة.. أبرزها مدينة وميناء المخا، وجزيرة ميون.

هذا التزامن فيما بين التطورين، دفع بعض المحللين للقول.. إن إيران قايضت اليمن بلبنان؛ بمعنى أنها تخلت عن مواجهة إسرائيل عبر لبنان، من أجل تحقيق مصلحة أكبر.. تتمثل في ضرب خط «شرق-غرب».. الذي كانت تستخدمه السعودية كبديل لمضيق هرمز. واتساقاً مع هذا الاتجاه، أُعيد نشر مقال كتبه الباحث اليمني محمد أنعم (في 24 أكتوبر 2020).. تحدث فيه عن أن إيران استسلمت للتحركات الفرنسية-الأمريكية في لبنان، وقررت الإلقاء بوزنها في اليمن.. كما اتضح من وصول السفير الإيراني حسن إيرلو إلى العاصمة صنعاء ومنحه صلاحيات واسعة.

هذا المقال – الذي قال كاتبه.. إن إيران قررت ألا تمر خسارتها للهلال الشيعي دون ثمن. وبالتالي، ذهبت لجر اليمن لحرب أكثر وحشية، قرأته خلال الأيام القليلة الماضية.. منشوراً فيما لا يقل عن خمسة مواقع إلكترونية؛ في تأكيد الاتفاق معه في المضمون، كما طرح برنامج «الرأي الحر».. على إحدى الفضائيات العربية نفس الفكرة، تحت عنوان «هل حصلت إيران على باب المندب، مقابل تخليها عن على الطاهر في لبنان؟». والسؤال – بصيغته تلك – يترك الانطباع بأن التطورات في الساحتين اللبنانية واليمنية، لم تكن ثمرة لاختلاف السياق في الحالتين؛ (تحديداً إطلاق يد إسرائيل في الجنوب اللبناني، مقابل الرفض الأمريكي للتورط في الصراع مع اليمن). لكن هذه التطورات كانت ثمرة لعملية مساومة بين إيران والأطراف الإقليمية والدولية. وعلى هذا التحليل يمكن، إبداء ملاحظتين أساسيتين.

الملاحظة الأولى: هي أن هناك فارقاً كبيراً بين فكرة مقايضة الساحات، ومبدأ توزيع الأدوار بين الساحات؛ فمقايضة الساحات.. تعني إعادة ترتيب الاهتمام بهذه الساحات.. وفقاً للمصلحة الوطنية، ويمكن التمثيل لذلك بموقف الإدارتين الأمريكية في عهدَي الرئيسين بايدن وترامب، تجاه أمن القارة الأوروبية؛ فقد اعتبرت إدارة بايدن أن الحرب الأوكرانية.. تمثل تهديداً جسيماً لأمن القارة الأوروبية، وانعكس ذلك على الدعم الأمريكي الشامل – عسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً – الذي قدمته هذه الإدارة لكييف.. كي تتمكن من الصمود في مواجهة العدوان الروسي. وفي المقابل – وفي ظل شعار «أمريكا أولاً» لإدارة ترامب الثانية – فإنها اتجهت لإنهاء الحرب الأوكرانية، ومطالبة الدول الأوروبية بتحمل المسؤولية الأساسية.. في الدفاع عن نفسها. وانصب التركيز الأساسي لإدارة ترامب.. على الجوار الجغرافي المباشر؛ من خلال إعطاء الأولوية لمحاربة الهجرة غير الشرعية، وتجارة المخدرات، وعصابات التهريب. فهذه المقايضة بين الساحات – التي انطلقت من تغير أولويات السياسة الخارجية الأمريكية من إدارة إلى أخرى – تختلف عن توزيع الأدوار بين الساحات، الذي يتم في إطار عقيدة «الدفاع الأمامي».. كعقيدة حاكمة للسياسة الخارجية الإيرانية منذ عام 1979.

وتقوم هذه العقيدة.. على نقل معارك إيران إلى خارج حدودها، وبالذات.. إلى الساحات التي تتماس جغرافياً مع مصادر تهديد المصالح الإيرانية. ويمكن القول.. إن إيران نجحت في تثبيت هذه العقيدة، منذ اندلاع ثورتها، حتى عام 2025.. عندما انتقلت الحرب لأول مرة إلى داخل الأراضي الإيرانية، ثم تكرر ذلك في العام التالي. 

الملاحظة الثانية: هي أنه – وفقاً لعقيدة «الدفاع الأمامي» هذه – تصبح كل الساحات.. التي تتواجه فيها إيران بشكل غير مباشر مع مصادر تهديدها، ذات أهمية، وتكون غير قابلة للمقايضة أو التنازل عن أي منها، وذلك لأن كل ساحة من هذه الساحات تؤدي دوراً مختلفاً عن غيرها، وكل منها تتقاطع مصالحه مع المصالح الإيرانية.. بشكل مختلف؛ فالدور الذي يؤديه الحوثيون في إرباك الملاحة الدولية في البحر الأحمر، يعزز دورهم الإقليمي، كما يعطي إيران ورقة ضغط مضمونة.. عند جلوسها على طاولة المفاوضات.

ويختلف ذلك، عن الدور الذي كان حزب الله يؤديه ضد الاحتلال الإسرائيلي.. منذ نشأته، وهو دور يتقاطع مع المشروع الإيراني المناهض للمشروع الإسرائيلي.. منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية. وبالتالي، فإن أي حديث عن التضحية بلبنان.. من أجل الاستثمار في اليمن، هو حديث بعيد – كل البعد – عن الواقع. فبالإضافة إلى ما سبق قوله.. عن عقيدة «الدفاع الأمامي» التي تعتنقها إيران، فإن لبنان – بالذات وعلى وجه الخصوص – له أهمية مركزية في الفكر السياسي الشيعي؛ فإيران تدين بنشر التشيع فيها على نطاق واسع.. إلى علماء جبل عامل، الذين أتوا إليها من لبنان.. في عهد الدولة الصفوية. وعلى صعيد آخر، فإن ما يمكن وصفه بصحوة الشيعة في لبنان.. ارتبط – ارتباطاً وثيقاً – بالإمام موسى الصدر، المولود في قم، والذي أسس حركة المحرومين في الجنوب اللبناني. ولاحقاً، صارت هذه الحركة هي الأصل.. الذي انبثقت عنه حركة أمل، ثم انشق عنها حزب الله، وقام الحرس الثوري بدور أساسي في تدريبه وتسليحه.. ليصير أهم مكون من مكونات حركة المقاومة اللبنانية.

والحال هكذا، كيف يمكن التفكير في أن تتخلى إيران عن لبنان؟ 

عندما يقول محمد باقر ذو القدر – أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني – في وصف لبنان بإنه «روحنا، ولن نقبل انتهاك خطوطنا الحمراء». ويقول غلام محسني إيجئي – رئيس السلطة القضائية – «إن لبنان هو روح إيران، وتربطنا به العقيدة والإيمان والمقاومة»؛ فإن الرجلين يعبران – بوضوح – عن أهمية لبنان بالنسبة لإيران. وعندما تنص مذكرة التفاهم الأمريكي-الإيراني.. على إنهاء العمليات العسكرية في كل الجبهات.. بما فيها لبنان، فإنها تعبر عن نفس الأهمية. وكون إيران لم تُصعِّد مع إسرائيل.. رداً على تطورات تلة «علي الطاهر»، فهذا موقف تكتيكي.. فرضته الظروف، وليس موقفاً استراتيجياً. ولو كان تخلي إيران عن لبنان وارداً، لتخلت عنه في 2020.. عندما كتب محمد أنعم مقاله، ولما احتجنا اليوم لتكرار نفس الكلام.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة