تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

عمارة «المدينة الإسلامية» وعمرانها.. كما يشرح خالد عزب (1 ـ 3)

M.Adam
عمار علي حسن

عمار علي حسن

صنع البشر المدن.. لأنهم زادوا وفاضوا عن الحد، الذي جمعتهم فيه العشائر والقبائل والقرى، فوجدوا في المدينة ما يقيهم.. من تلصص بآذان عموم الناس وعيونهم، متخففين من علاقة «الوجه للوجه».. في أنماط عيشهم البسيط. ووجدوا فرص عمل مختلفة.. خارج الصيد في الغابة، والرعي في الصحاري، والزراعة في الوديان؛ حيث قام التصنيع بسيطاً في الورش، ثم معقداً في المصانع، وانتعشت بأيديهم التجارة، وتوزعت – مع الصناعة – على دروب شتى. 

وكانوا بحاجة إلى الترويح.. فأقاموا الحدائق والمنتزهات، والنوادي والمسارح ودور السينما، والمقاهي والملاهي والمطاعم. وقادهم الاهتمام بالتعليم.. إلى إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات. ودفعتهم الرغبة في التعرف على ما يجري – والتعقيب عليه – إلى إصدار الصحف، وإطلاق محطات الإذاعة والتلفزة ودور نشر الكتب. ولكن هذه المساحة من الحرية.. التي وجدها الناس في المدن؛ حيث لا يعرف الساكن جاره، ولا يختار زميله في مقاعد الدراسة والعمل.. سرعان ما واجهت ما يُضيِّقها ويُضايقها؛ حيث سطوة الإدارة الحكومية، وغلبة المؤسسات، وانتشار أشكال من الجرائم، فضلاً عن التسول، وشح فرص العمل، والتنوع الرهيب للسلع في الأسواق والمتاجر.. الذي جعلهم في حيرة من أمرهم، وسلطان الحنين إلى البساطة، والتلقائية، والتعاون.. التي ظلت قيماً مهمة في الحياة الريفية.

عرفت البشرية مدناً ذات صيت.. عبر تاريخها، موزعة على البلدان كافة، سجلها المؤرخون والمهتمون بالاجتماع البشري؛ باعتبارها «الحواضر».. المميزة عن الأشكال الأولية المحدودة من التجمعات الإنسانية. وعليها كان التعويل دوماً في إقامة النهضة، وإطلاق العمران، وتشييد العمارة، حتى صار من المتفق عليه.. أن تُحال إليها قيام فرص الأخذ بأسباب التقدم، وتقاس لصالحها علامات التطور، وتحسين شروط العيش. وكان من الطبيعي أن تشهد الحضارة الإسلامية.. وجود مدن؛ بعضها كان قائماً قبل الإسلام، وأخرى أقامها المسلمون.. وهم ينقلون رسالتهم من مجتمعهم البسيط في شبه الجزيرة العربية، إلى سائر البلدان المفتوحة. 

… هنا، يقول د. خالد عزب – في كتابه «المدينة الإسلامية.. العمارة والعمران»، الذي فاز مؤخراً بجائزة ملك الأردن عبد الله الثاني.. للإبداع – إن «المدينة مثلت صورة صادقة للحضارة الإسلامية، وما زالت بقاياها قائمة إلى الآن؛ نراها متناثرة في العديد من المدن.. من بخارى وسمرقند في شرق العالم الإسلامي، إلى فاس ومراكش في غربه». 

ويرصد الكتاب ملامح المدينة الإسلامية.. منذ عصر الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومكوناتها وخصائصها وحاضرها ومستقبلها، لنتبين معه.. كيف تتعدد أوجه الفكر المعماري؛ من حيث المعايير الاجتماعية والاقتصادية والسكانية، حيث مسارات الحركة والالتقاء.. بين ما هو خاص (المسكن)، وما تتطلبه الحياة (السوق)، وما هو من قبيل المرافق العامة (المسجد).

كانت بداية المدينة الإسلامية.. مع هجرة رسول الله إلى المدينة المنورة – وهي موطن الاستقرار الذي باشر منه دعوته لنشر الإسلام – فقد قام بتحديد الوظائف الأساسية للمكان الذي اختاره، أو أعاد صياغة المكان بطريقة إسلامية، فكان المسجد هو أول البناءات، ثم جاءت المساكن حول المسجد، وبعدها السوق؛ لإدراك الرسول.. أن الاستقرار لا يقوم إلا به، فهو مصدر التكسب والتجارة والحرف، وبعده مصلى العيد.. في ساحة فضاء أو خلاء. وكذلك دور الضيافة – التي خُصصت لاستقبال الوفود – وكان من أهمها دار عبد الرحمن بن عوف الكبرى – وسميت «دار الضيفان» أو «دار الأضياف» – ودار رملة بنت الحارث الأنصارية.. التي نزلتها وفود غسان، وبني ثعلبة، وعبد القيس، وبني فزارة، وعذرة، وبني حنيفة. 

وعُني الرسول بتحصين المدينة، وتأمينها.. عبر خنادق طوقتها. 

وهنا يطرح الكتاب سؤالاً مهماً، هو: هل المدينة الإسلامية سهلة الهضم بصرياً؟ ومتماسكة بما يجعلنا نشعر بحميمية خلال تجوالنا بها؟ ويجيب: نعم؛ فهي مدينة ديناميكية، كل شيء فيها يتفاعل، ويولد الطمأنينة في نفس سكانها وزائريها، حيث تفاصيل المباني.. بروعتها المعمارية والزخرفية.

وكانت المدينة في الحضارة الإسلامية.. مستقراً حضرياً؛ به والٍ، وقاضٍ، وسوق، وحمام، ومنبر(أي مسجد جامع)؛ وهذا ما جعل منها مقر السلطة.. سواء كانت عاصمة لدولة، أو مركزاً حضرياً.. يتوسط مجموعة من القرى. وهنا وضع المسلمون هدفاً لعلم العمران.. يرتكز على منظومة من القواعد المتكاملة، التي صاغت كل شيء في الحياة.. تقدمه المباني ذات المعاني، وغايته سعادة الإنسان على الأرض، وأدواته العلم والعمل، ومكمن تدبيره هو إحياء الموات، أو الأرض الميتة.. بزراعتها وإقامة الأبنية فيها. 

وكان علماء المسلمين الأوائل.. مدركين أهمية المجال الحضري للمدن، فرصدوا إنشاء الكثير منها؛ مثل البصرة والكوفة والمنصورة.. في بلاد السند. ومراغة.. في بلاد ما بين النهرين. والفسطاط، والقيروان، والهاشمية والعسكر.. في مصر، وأضنة.. في تركيا، وبغداد، والمحمدية.. في بلاد فارس. وهنا يقول عزب «الحضارة الإسلامية أحدثت ثورة حضرية في تاريخ العالم، تستحق أن نرصدها ونحللها، بل صارت هذه المدن.. تشع بالعلم من نور علمائها؛ حيث ارتبطت المدارس الفقهية بالمدن؛ فالمذهب الحنفي في الكوفة وبغداد. والمذهب المالكي في المدينة المنورة. والمذهب الشافعي بين بغداد والفسطاط. والمذهب الحنبلي في بغداد.. التي صارت عاصمة الخلافة العباسية». 

… هذا الكتاب، يتمم جزءاً من مشروع لمؤلفه – قام عليه منذ سنوات الدراسة بكلية الآثار جامعة القاهرة – ومنهجه فيه.. هو إعادة بناء رؤى للمدن والعمارة الإسلامية؛ بدءاً من إعادة بناء علم العمران.. في كتاب (العمران.. فلسفة الحياة في الحضارة الإسلامية) إلى كتاب (فقه العمران) ثم كتاب (المجتمع والعمران.. نفوذ الناس في المجتمع الإسلامي)، وكذلك كتاب (هندسة التراث العمراني).

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة