مصطفى حجازي
خرج الطبيب من غرفة العمليات مُتعرِّقاً ليُبشِّر أهل المريض بابتسامة واثقة: «مبروك.. العملية نجحت تماماً وحققت أهدافها المرجوة». وعندما سألوه بلهفة: «وكيف حال الأم والجنين..؟».. ردَّ بنبرة هادئة وموضوعية: «آه.. ماتا للأسف أثناء الجراحة، لكن من الناحية الفنية والتقنية.. العملية كانت نموذجاً يُدرَّس»!! وعندما شعر بملامح الصدمة والتحفز تعتري وجوههم.. تغيرت نبرته.. وبدا غضبه.. وأردف بصوت خشن: «على أي حال.. نحمد الله أن بقية العائلة بخير.. احمدوا ربنا».
تبدو للوهلة الأولى، وكأنها حكاية مستنسخة من أدب الديستوبيا السياسية.. في روايات «جورج أورويل».. وفانتازيا الحياة؛ كما في روايتيه.. «مزرعة الحيوانات»، و«1984». أو وكأنها نكتة ثقيلة.. من ثنايا الواقع. لو سألنا: هل موقف الطبيب.. بكل ما يحمله من لا مبالاة وعبث بأقدار الأسرة البائسة.. مؤثم بالقطع؟!.. أم من الوارد أن يكون الموقف مبرراً.. طبيعياً.. منطقياً؟!
قبل أن تَحتَد عزيزي القارئ، وتصدر حكمك العاقل.. بتأثيم الطبيب، ما بالك أن هناك من يرى ويُنَظِّر.. بأن فعل الطبيب وموقفه مبرر. ويؤكد أنه طبيعي ومنطقي.. بل وقانوني وواجب!!
لسنا بصدد إعادة تأصيل فلسفة الأخلاق، ولا أسس الإنسانية، ولا محددات حقوق الإنسان. ولكنا نحاول – مع كل الصدمة والدهشة الواجبة – أن نفهم.. لماذا قد يرى البعض، ويُنَظِّر.. لطبيعية وقانونية ووجوب هذا الفعل البليد الوقح.. منزوع الرحمة.
الفعل الذي أقصده – بالمناسبة – ليس فقط محدودية كفاءة الطبيب، التي أودت بحياة الأم ووليدها. ولكن ذاك القدر من الجهالة والتعالي واللامبالاة. بل والوقاحة؛ حين ينتظر منهم أن يحمدوا له ذلك، ويشكروه عليه!
ولكي نفهم ذلك، فلنذكر – ونستحضر – مأساة الفصل العنصري «الأبارتايد».. في جنوب أفريقيا، ونضال أهل البلاد.. حتى استردوا حقهم المقدس في إنسانيتهم، قبل وطنهم.. على يد الأيقونة «نيلسون مانديلا»؛ الذي نال حريته في 11 فبراير 1990.
… التعامل مع أبناء الوطن الأفريقي.. على كونهم كائنات دون البشر، بلا حقوق.. كان هو قانون الأرض منذ 1948 وحتى 1994.. يؤثم من ينكره، أو يخرج عليه.
فلو انتهت تجربة الجراح البائس – وهو من الطبقة العليا – بقتل أم وجنين.. من طبقة الملونين المشاع، معدومة الحقوق؛ فلا بأس ولا تثريب على الرجل. وقد تأتي التخريجة السياسية، بأنها تجربة طبية.. واجبة وقانونية، في سبيل البحث العلمي. فما الضير من أن يهلك اثنان.. من تلك الكائنات المتدنية، في سبيل المصلحة العليا للعلم والدولة!
… «كان الفصل العنصري قانونياً.. ولكنه لم يكن أبداً مشروعاً»!! «و ليس كل قانون.. عَلَمَاً على العدل. ولكن العدل.. حُجَةٌ على كل قانون، وعَلمٌ عليه».
إذاً، مهما بدا أي فعل مستهجناً مؤثماً، علينا أن نقرأ السياق النفسي والبشري.. الذي يجري فيه، لكي نفهم لماذا يجري.. ما يجري.. حتى ولو كان سياقاً معوجاً، بادي الإعوجاج.. ليس للقبول به، ولا للتغاضي عنه، ولا للحض على منع مقاومته. ولكن لكي لا نخدع أنفسنا. وخداع النفس، يكون بالتزيد في التطلع، والتعويل على واقع.. نقرؤه بعين التمني، أو عين الجهالة. كما يكون أكثر.. بالترخص في الحلم، الذي يلزم – على إثره – أن نغير كل واقع آثم لا نرضاه.
فكما أقول دائماً.. «إن مقتل الحلم تواضعه». فإن خدع السجين نفسه، وأراد أن يمارس حياته زيفاً.. على كونه حراً، سيحيا مسخاً خائباً.. دمية في يد سجانه. وتبقى حياته – وما تبقَّى منها – في دوائر من فراغ، تقتل الأيام بالأيام، ولا تغير في واقعه قيد أنملة. وتبقى تلك مأساة السجين.. لا مأساة سجانه؛ إن علم السجين.. أن حرمانه حريته، ليس أصلاً خُلِقَ من أجله. أو فطرة.. يمكن أن يَصلُحُ بها حاله، فقد قرأ واقعه بعين الحقيقة. حينها – وإن قُهِرَ على القبول بفتات الحياة – بات يعرف أن ذلك ليس الأصل.. الذي من أجله خُلِقَ إنساناً مُكَرمَاً. وإن حُمِلَ على حياة السائمة في أقفاصها – حتى وإن بدت أقفاص بلا قضبان – ورضخ لها انهزاماً، بات يعي بأنها.. ليست مسار صلاح ولا إصلاح.
عَلِمَ مانديلا – ومن مثله – أنه سجين في وطن، أكثر منه سجيناً في زنزانة! وأن أبناء وطنه – خارج أسوار سجنه في «روبين أيلاند» – هم في سجن بلا أسوار. لم يتوقف مانديلا – ومن مثله – عند ما فعله الأفريكان المستعمرون.. بتحويل حياة أبناء وطنه اليومية.. إلى كابوس من التكدس والعنت، والفقر والبطالة.
لم يتوقف عند الفساد، ونهب الثروات. ولم يتوقف كثيراً.. عند عبث هؤلاء بالبيئة والغابات، وصحة الملونين من أبناء المجتمع. فكل ذلك – على معيار المستعمر، وفي عُرفِهِ – طبيعي منطقي مبرر. من أجل رفاه ورغد دولته.
لكن الأهم، لم ينخرط مانديلا – ومن مثله – في أية ممارسات.. مُمَسرَحة في سياسة، الغرض منها التدليس والتعفير.. على حقيقة الوطن الضائع.
عَلِمَ مانديلا – ومن مثله – أن وطناً حقيقته.. سجن بلا أسوار، لا منطق ولا حقيقة فيه للسياسة.
فمنذ متى.. تداول سجانٌ السلطة مع سجينه؟!
وأن لا منطق ولا حقيقة ولا جدوى.. لما يتصور أنه فعل إصلاح، أو تنمية، أو إنهاض واقع سجناء، الأصل في التعامل معهم.. أنهم كالسائمة.
وأن الفعل المتوقع.. هو الإغاثة، والإغاثة فقط. واللغو.. حول تحسن الأحوال، بما يقلل تململ السائمة السجينة.. وضجرها.
أبصَرَ مانديلا الميزان، فأبَصَر الحرية.. أولوية لا أولوية قبلها، وضرورة.. لا حياة ولا وطن بغيرها، ولا عزاء لطبيب الحكاية.
إنه الميزان.. متى أبصرناه، أبصرنا.. أين نحن، وأين يلزم أن نكون، كيف نحن.. وكيف يلزم أن نكون.
فَكِّرُوا تَصحُّوا..
نقلاً عن «المصري اليوم»