تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

نهاية عالم القوميات والسيادة والوطنية والانتماء

M.Adam
نبيل عبدالفتاح

 نبيل عبدالفتاح

منذ تشكل حركة القوميات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وتوسع الأسواق الرأسمالية، ظل مفهوم القومية مهيمناً، ومعه الأمة، والدولة/الأمة، ومفاهيم السيادة.. في ظل الأنظمة الليبرالية التمثيلية؛ أياً كانت نماذجها المختلفة، وخصوصياتها التاريخية، ومحمولاتها الثقافية، ومحمولات مفهوم الانتماء الوطني، في ظل هيمنة نظام الحقوق والحريات العامة، والفردية، وسيادتها على النظم السياسية، وعقل ووجدان المواطنين، وعملهم وخيالهم السياسي وسلوكهم الاجتماعي، في إطار المنافسات في ظل الرأسمالية وتطوراتها. 

بعد الثورة الماركسية، وتشكل الإمبراطورية الشيوعية.. في روسيا ودول أوروبا الشرقية، ظل الانتماء الوطني مسيطراً، مع بُعدَي الانتماء إلى الكتلة الاشتراكية، والطبقة العاملة.. داخل دول الكتلة الشرقية السوفيتية، وأيضاً البُعد العالمي لأممية الطبقة العاملة. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي – والتحول إلى اقتصاديات السوق، والنظم التعددية السياسية – حدث تغير نسبي في العودة إلى مفهوم الدولة القومية، ومن ثم الانتماء الوطني.

مع تحولات عالمنا إلى ما بعد الحداثة، والنيوليبرالية، وثورة الاستهلاك المفرط، أدى ذلك إلى عديد التغيرات الكبرى، وعلى رأسها بعض الأزمات الاقتصادية الكبرى – أزمة 2008 – وتفكك الروابط الاجتماعية والأسرية، وتفاقم النزعة الفردانية المفرطة، وأزمات الأحزاب السياسية التاريخية في أوروبا، والتمدد العولمي المتزايد، ودور الشركات الكونية الكبرى وتزايد قوتها، وبعض من نفوذها السياسي المصاحب لسياساتها الإنتاجية والتسويقية والخدماتية.. على سياسات الحكومات والقادة السياسيين. 

وتطور الأمر مع الثورة الصناعية الرابعة – خاصة مع الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية – وتمدد نفوذها العابر للقارات، وتأثيراتها في كل مجالات الحياة في عالمنا. والأهم، بات العالم، ودوله ومجتمعاته – أياً كانت مستويات تطورها- تحت أنظمة الرقابة الرقمية، والسيطرة المعلوماتية. 

الأهم، أن هذه التطورات أدت إلى بعض من الانعكاسات السلبية على مفهوم القومية والسيادة.. في ظل السياسات الأمريكية، خاصة مع ولاية دونالد ترامب الثانية، وتفكيره وسلوكه الغرائبي، وتمركزاته القومية العرقية، وحركة ماجا تجاه الهجرة، وحلفائه في دول الناتو، وفي عديد من مناطق العالم.. وأقاليمه الجيوسياسية، وهو ما أدى إلى عدة أشكال من المفاهيم والإدراكات السيوسياسية والثقافية.. لبعض من النظرات القومية العرقية تجاه المهاجرين والمواطنين في دول أوروبا والولايات المتحدة، من ذوي الأصول العرقية العربية والإسلامية والإفريقية واللاتينية. النظرات اليمينية العرقية ـ  للجنس الأبيض وتمركز بعضهم حولها – هي محضُ تقلصات.. للتغير فائق السرعة في بنيات الرأسماليات النيوليبرالية، وشركاتها الكبرى، وتأثيراتها، وانعكاساتها على الصراعات الدولية مع الصين وآسيا الناهضة، وتطوراتها التكنولوجية في مجال الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتمددها الكبير في أسواق العالم.

المنافسات الكبرى في مجال التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وعالم الروبوتات.. استثار وحفز – في أحد أبعاده – هذا النمط من اليمين المتطرف والعنصري؛ كنتاج لبعض أزمات النظم الليبرالية الأوروبية، وأحزابها السياسية ما بعد الحرب الباردة، وأيضاً نمط قادتها من التكنوقراط والبيروقراطية.. ذوي المستويات من المديوكرات والمنيوكرات؛ على نحو ما حدث في ألمانيا ما بعد ميركل، وفرنسا ما بعد ميتران (ونسبياً جاك شيراك لاسيما مع ساركوزي)، حتى ماكرون، وفي إيطاليا؛ وهو ما جعل أوروبا تبدو في حالة انكشاف نسبي.. مع مشكلاتها الاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية، وحرب روسيا، وأوكرانيا، والحرب على إيران من أمريكا وإسرائيل، والإبادة الجماعية للمدنيين في قطاع غزة من إسرائيل.. على نحو نشط الاتجاهات اليمنية والمتطرفة.

في ظل تغيرات عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعالم الروبوتات، وهيمنة الشركات الرقمية النيوليبرالية الكونية، وسيطرتها.. سوف تتغير مفاهيم الدولة القومية، والسيادة، وطبيعة النظم السياسية الليبرالية وفاعليها ودينامياتها وآلياتها ومؤسساتها والأحزاب، والوطنية، وأيضاً الانتماء الوطني مستقبلاً؛ خاصة مع خروج عشرات الملايين ـ من خمسين إلى ستين مليوناً.. خلال المستقبل القريب والمتوسط – من مجال العمل أياً كان، وتحولهم إلى البطالة، ونظم التأمينات الاجتماعية إن استمر غالبها، وذلك لعدم القدرة والإمكانية على إعادة التكيف والتأهيل، والانتقال إلى وظائف وأعمال بديلة في عالم جد مختلف.

هذه الأرقام ستتزايد خلال السنوات العشر المقبلة وما بعد، ومن ثم سيخرج مئات الملايين من مفهوم العمل.. ودوره في حياة الإنسان إلى البطالة والوحدة، والعزلة الاجتماعية، مع صعود أدوار الذكاء الاصطناعي، والروبوتات في مجالات الحياة المختلفة.

كل ميراث المعرفة والثقافات المتراكمة في حياة الإنسان، ستحدث فيها تغيرات كبرى، ومعها معنى الشرط الوجودي الإنساني.. كفاعل مركزي في الكون والطبيعة والحياة، ومعها ستتفاقم مشكلة المعنى في الحياة، خاصة في ظل التغيرات التي تحدث، وستستمر في مفاهيم ومعاني الأديان والمذاهب الدينية، وتفكك محتمل في عديد مؤسساتها الأصولية، وتراجع أدوار ووظائف رجال الدين المحترفين، وعملهم الاحترافي.. الذي ينهض به الذكاء الاصطناعي من الآن، ومعها ستتغير مفاهيم العرق والوطنية.. حتى في ظل حالة العودة النكوصية لهم – من بعض الشرائح الاجتماعية في الغرب.. كردة دفاعية – وأيضاً في دول العسر العربية، تجاه تحولات كبرى.. نحن غير قادرين – بالفشل والعجز السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، والعلمي – على مواجهتها. 

… عالم مختلف في تحولاته العاصفة، ولا نزال نعيش في حالة ردة حضارية شاملة، ويبدو لا خلاص تاريخي منها.. يلوح في الأفق القاتم للمنطقة.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة