عبدالله عبدالسلام
كيف تنظر الصين إلى العالم؟ ماذا تريد منه؟ هل الشرق الأوسط بالنسبة لها.. مجرد «خزان» بترول، من المهم الحصول عليه، بغض النظر عن القضايا التى تشغل شعوبه؟
هناك حاجة أكيدة إلى دراسات معمقة.. حتى يمكن فهم موقف بكين. لكن مشاهدة فيلم صينى – صدر حديثا – قد يُعطينا مؤشرات.. على طريق هذا الفهم. الفيلم عنوانه فى النسخة الصينية: «مرحبا بكم فى مطعم التنين». وفى النسخة الإنجليزية: «كان ياما كان فى الشرق الأوسط». الأحداث تدور عام 2003، فى مدينة خيالية تُحاكى بغداد. شو فو طاهٍ.. صينى، يدير مطعم «التنين». يحظى المطعم بإقبال كبير، لكن سرعان ما تغزو أمريكا العراق، لتتحول بغداد إلى ميدان حرب.
يجد الطاهى نفسه مُجبرا على تحويل المطعم.. إلى ملجأ آمن لحماية الأطفال والمدنيين. يسجنه الأمريكيون، ثم يقع بعد ذلك فى قبضة مسلحين إسلاميين. لكنه لا يغير مبدأه؛ وهو حق الجميع فى تناول وجبة طعام بسلام. الفكرة بسيطة عالجها صناع الفيلم – الذى جرى تصوير أجزاء منه فى صحراء مصر – بشكل كوميدى درامى. لكن الإعلام الغربى لم يستقبل الفيلم بحسن نية. مجلة «الإيكونوميست» قالت إنه «يعكس الرؤية الاستراتيجية للصين تجاه العالم.. وخاصة الشرق الأوسط. فى الفيلم، يقدم البطل الأكل للجميع.. بمن فيهم الجنود الأمريكيون. إنه لا ينحاز لطرف ضد آخر. هدفه المكسب المادى فقط.
هذه هى العقيدة الدبلوماسية الجديدة للصين فى الشرق الأوسط؛ الحياد النشط، وبناء علاقات اقتصادية مع الجميع. قبل سنوات، كان نموذج «المحارب الذئب»، الذى تناولته السينما الصينية فى عدة أفلام.. معبرا عن عقيدة دبلوماسية، تقوم على مواجهة القوى الأخرى.. لحماية المصالح الصينية. رأينا الدبلوماسيين الصينيين، الذين يتعاملون مع أى هجوم لفظى على بلادهم.. كما لو كانوا فى ساحة حرب. سواء كان ذلك فى الأمم المتحدة أو خلال المحادثات الثنائية مع أمريكا.
الآن العقيدة الجديدة براجماتية، نفعية. الطاهى فى الفيلم.. يحمل مغرفة وليس بندقية. سلاحه إطعام الجائعين، وإقامة صداقات. لا يهمه من يحارب من؟ ومن على حق، أو العكس؟.
نهضة الصين الراهنة.. قائمة على ذلك أيضا. الربح المشترك هو الهدف. يعتبر الصينيون ذلك علامة على النُبل، وعدم الرغبة فى التدخل فى شؤون الآخرين، أو إعطائهم دروسا فى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. على الطريقة الغربية.
لكن الرؤية الغربية – كما عبرت عنها الإيكونوميست – ترى فيما تفعله الصين.. أمراً دنيئاً غير أخلاقى. يفتقد إلى العمق والجوهر. الصين تتجاهل السياسة فى علاقاتها الدولية. لديها علاقات جيدة مع دول متصارعة؛ إيران ودول الخليج، الجزائر والمغرب، مصر وإثيوبيا. المفارقة.. أن هذه الدول تقبل رؤية الصين، بأن السياسة تأتى فى مرتبة ثانوية.. مقارنة بالعلاقات التجارية.
بكين ترى أن هذه النظرة سطحية. بحسب دعايتها؛ هى لا تريد من الدول الأخرى.. أن تكون نسخة منها. هدفها تحسين حياة الناس العاديين فى العالم، من خلال السلام والتنمية. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ذلك، فإن الصين معك فى التجارة والتنمية.. أما عندما تواجه مشاكل سياسية أو عسكرية، فلا تتوقع أن تمد لك يد المساندة.
نقلا عن «المصري اليوم»