سمير مرقص
(1) «من فضاءات الحوار إلى ساحات السجال»
كان من المفترض أن تلعب وسائل الاتصال الاجتماعي.. دوراً في تعزيز اختبار الأفكار وتلاقحها، وتوسيع زاوية الرؤية للقضايا والموضوعات المختلفة؛ خاصة أن ماكينة المعرفة.. لا تتوقف عن ضخ المعلومات والأفكار، والاكتشافات الجديدة.. لا كل يوم، بل كل لحظة. إلا أن هناك – بوعي أو بغير وعي، وبقصد أو بغير قصد – من ينحرف بالحوار.. من كونه فضاءً إنسانياً للتواصل والتراكم والبناء، إلى حلبة صراع.. تُحوِّل المتحاورين إلى متصارعين، يصارعون من أجل فرض لمس الأكتاف.. على بعضهم البعض. بمعنى آخر – وكما أشار أحد الذين تخصصوا في رصد التحولات التي تتعلق بالعقل والأفكار والحوار والسلوك الإنساني الثقافي – كيف «تحولت فضاءات الحوار.. إلى ساحات سجالية، لا تهدف إلى البحث الجماعي الإنساني عن الحقيقة، وتوسيع مدارك الفهم. بل إلى ممارسة نوع من الاستعراض الذهني السادي.. لتحقيق التغلب»، ونضيف.. الإقصاء إن أمكن.
تعكس هذه الظاهرة، خطر تحول الاختلاف الفكري.. إلى حرب إلغاء رمزية. وعن ذلك تقول عالمة السياسة البلجيكية (التي تنتمي لتيار ما بعد الماركسية) «شانتال موف» (83 عاماً).. أنه: «عندما تُستبدل السياسة بالتهميش الأخلاقي والفكري والسياسي، لا يعود المخالف شخصاً نختلف معه في الرأي، أو التصور الفكري، بل يُعاد تعريفه بوصفه شراً مطلقاً، أو فاقداً للأهلية المعرفية. في هذه اللحظة، نصبح أمام تحدٍ كارثي، إذ يتحول الحوار من تفاوض شريف بين خصماء مشروعين، إلى مواجهة استئصالية بين أعداء».
(2) «طلائع الحوار يتعرضون لهجمات كتائب السجال»
يشير المسح الأولي لنوعية الحوارات/السجالات.. الدائرة على وسائل الاتصال الاجتماعي، إلى هجمة ممن يمكن وصفهم بكتائب السجال.. تجتاح الفضاء الرقمي؛ تزدرى وتُجرح وتغتاب. يستوي في ذلك؛ من يقدم نفسه على أنه متحرر، ومن يقدم نفسه على أنه محافظ.
في هذا المقام – وفي إطار تتبعنا البحثي لعدد من الحوارات/السجالات الجارية – لفتت نظرنا شخصيات تتمسح في التحررية والعلمانية والتفكير العلمي، تمارس نوعاً من التعالي الفكري.. ضد من يخالفهم الرأي؛ ليس من المحافظين والدينيين فقط، بل ضد من ينتمون إلى فريقهم أيضاً. في نفس الوقت، وجدنا كيف أن البعض.. ممن يدعون المحافظة والتدين، يمارسون إرهاباً فكرياً.. على عناصر من فريقهم؛ يخالفونهم التوجه، وبطبيعة الحال على عناصر من خارج فريقهم. وعن الظاهرة السابقة، يعلق الفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير «يورجن هابرماس» (97 عاماً).. بأن «كلاً من التحررية/العلمانية المتطرفة والمحافظة/الدينية المتشددة.. تمارسان إقصاءً متبادلاً في الفضاء العام».
(3) «الصلابة الفكرية أساس الإقصاء والاستعلاء والازدراء»
وفي أطروحة أخرى مكملة، يفسر أحد الباحثين المعاصرين.. عدم انحصار الظاهرة بين التحرريين والمحافظين فقط، وامتدادها لتشمل عناصر الفريق الفكري الواحد.. بأن ذلك يرجع إلى أننا أمام ظاهرة ذهنية وسلوكية، تتعلق بالتكوين العقلي والثقافي بالأساس.. لشريحة من البشر، نُشِّئت على التصلب الفكري؛ إذ «الأحكام المسبقة، والتصنيف، والسجال، والإقصاء.. عمليات حدسية وعاطفية، تحدث أولاً في العقل. ثم يأتي العقل العقلاني لاحقاً، ليعمل كمحامٍ.. يبرر هذا الحكم المُسبق، بدلاً من البحث عن الحقيقة». (راجع كتاب العقل الصالح لجوناثان هايدت).
وحول الصلابة الفكرية، يركز أحد علماء النفس المعاصرين.. على أن «آفة الصلابة الفكرية»، تدفع أصحابها – في نقاشاتهم – إلى ارتداء ثلاث قبعات؛ قبعة «الواعظ».. (الذي يدافع عن مقدساته الفكرية). أو «المدعي العام».. (لذي يبحث عن أخطاء الآخر، لتصنيفه وإدانته ولفظه). أو «السياسي المحترف».. (الذي يبحث عن كسب التأييد، على حساب الحقيقة والمبدأ). وفي محاولته تقديم علاج لهذه الآفة اللعينة، يتحدث عالم النفس «آدم جرانت» – في كتابه «فكر مجدداً» – عن ضرورة تبني عقلية «العالم».. الذي يملك الشجاعة لتكذيب فرضياته المسبقة؛ هكذا نقضي على التصلب الفكري.
ونضيف أنه يجب عدم الحكم على الفكرة/الأفكار وفق هوية صاحبها، ولا تحكم على الإنسان من فكرة واحدة قالها؛ ناقش الفكرة، واختلف مع الموقف، لكن اترك للإنسان حقه.. في أن يكون أكثر تعقيداً.. من التصنيف الذي وضعته فيه.
(4) «الاستعلاء المعرفي والأخلاقي»
يتسم السجاليون الإقصائيون.. باستعلاء معرفي وأخلاقي. ويتشكل هذا الاستعلاء.. من خلل نفسي، يسعى إلى تعويض الكثير من النقائص.. بالاستعلاء. وذلك بتوهُّم أنهم – وحدهم – الذين يعرفون، ولا سواهم.. المطهرون. ومن خلال انخراطهم في السجالات يتبين – بوضوح – إلى أي حد هم غارقون في أداء.. متناقض مع ما يدَّعونه. فلا هم يعرفون، ولا هم أخلاقيون.
إن تجاوز السلوك الاستعلائي.. بتجلييه العقلي والأخلاقي، يحتاج إلى شجاعة التراجع عن آفة الصلابة. وبالنسبة إلى طلائع الحوار، عليهم التمسك بفضائل.. التفكير الموضوعي المنفتح، والشك المنهجي، والتواضع المعرفي، والعمل الدؤوب على تحويل الفضاءات العامة والرقمية مجدداً.. إلى جسور للتلاقي الإنساني الحر، والإنصاف المعرفي.
(5) «دعوة إلى التحرر من سجن أفكارنا»
وبعد، إن الحوار ليس انتصاراً على الآخر، وإنما هو اختبار أفكارنا.. في مرآة الآخر. إن استعادة الحوار، لا تعني القضاء على الاختلاف، وإنما تحرير الاختلاف من منطق الإقصاء؛ فلا تقدم معرفياً من دون اختلاف، ولا ثقافة حية من دون حوار، ولا معرفة متجددة من دون نقد. ولا يتحقق ما سبق.. دون أن يصبح المختلف شريكاً في إنتاج الحقيقة، لا عدواً يجب إسكات صوته. ما يعني عدم التخندق، أو بناء جدار.. يحول دون التواصل مع الآخرين، ويسجننا فكرياً وروحياً، ويعزلنا عن العبور إلى الآخرين، وإن كانوا غير متفقين/متوافقين معنا.
نقلاً عن «المصري اليوم»