تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

التنين الرقمي

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

عنوان المقال.. هو عنوان أحد فصول كتاب صدر حديثاً: «عالم متشابك/مترابط، روابط مفقودة: العالم الأميبي للتواصل الاجتماعي Interconnected World, Lost Connections: The Ameobic World of Social Media»؛ يجسد عنوان «التنين الرقمي».. الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب، الذي تشارك في كتابة فصوله الإثني عشر.. مجموعة من باحثي الهند المعتبرين.

يقدم لنا الكتاب بناءً معرفياً-تنظيرياً مبدعاً.. حول لحظة تاريخية، تشهد فيها الإنسانية تحولاً، يُعد من أهم وأخطر وأضخم التحولات في تاريخها. فمنذ أقل من عقدين، انتقلت وسائل التواصل الاجتماعي.. من كونها أدوات لتبادل الرسائل والصور، إلى فضاء عالمي.. يعيد تشكيل السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات الاجتماعية. ولم يعد السؤال المطروح.. هو كيف يستخدم الناس هذه المنصات، وإنما كيف أصبحت هذه المنصات تعيد تشكيل الناس أنفسهم، وكيف تغير علاقتهم بالذات والواقع والعالم؟ 

ومن هنا، بدت الاستعارة التي استخدمها المؤلفون.. في وصف هذا العالم، بأنه وحشي Leviathan World of Social Media ؛ موفقة تماماً في التعبير عن القوة الكاسحة التي تجسدها وسائل التواصل الاجتماعي والمنظومات الرقمية والذكاء الاصطناعي (وتشير كلمة «الليفثيان» إلى مخلوق بحري أسطوري هائل، يرمز إلى القوة المطلقة والسيطرة التي لا تُقهر).

وقد ألف الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز – في القرن السابع عشر – كتاباً بعنوان «الليفثيان»، تحدث فيه عن الدولة/السلطة المطلقة. وقد رأينا استبدال الليفثيان بالتنين، لأنه يعبر عن أكثر من مجرد الضخامة؛ إذ إنه يشير إلى قوة كاسحة.. يصعب احتواؤها أو إخضاعها.

وتدليلاً على تلك القوة الكاسحة لوسائل الاتصال الاجتماعي، يذكر الكتاب – في مقدمته – «إن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النشطين حول العالم.. بلغ نحو 5.22 مليار إنسان في أكتوبر 2024؛ أي ما يعادل 63٫8% من إجمالي سكان العالم. والأكثر دلالة.. أن عدد المستخدمين الجدد – الذين انضموا إلى مختلف منصات التواصل الاجتماعي خلال عام واحد فقط – بلغ نحو 256 مليون مستخدم. وهو رقم يعكس سرعة غير مسبوقة.. في اتساع هذا الفضاء الرقمي. وبعبارة أخرى، ينضم إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي 8.1 مستخدم جديد كل ثانية. 

كما يشير الكتاب، إلى أن التقارير تذكر أن «عدد المستخدمين النشطين شهرياً.. لمنصة فيسبوك، قد بلغ نحو 4 مليارات مستخدم.. بنهاية 2024؛ وهو عدد يفوق إجمالي سكان الهند والصين معاً». (يشبه مؤلفو الكتاب التوسع/التغير المستمر والمتجدد.. للمنظومة الرقمية بالكائن الأميبي الدائم التحول). وتعكس هذه المؤشرات – حسب ما ورد في مقدمة الكتاب – «التحول العميق الذي يشهده العالم الرقمي؛ إذ لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل بين الأفراد، بل أصبحت فضاءً كونياً بالغ التأثير.. يعيد تشكيل أنماط الاتصال، وإنتاج المعرفة، وتداول الأخبار، وصناعة الرأي العام، كما يؤثر بصورة متزايدة في الاقتصاد والسياسة والثقافة، بما يجعلها أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الحياة الشخصية والعامة في القرن الحادي والعشرين».

في هذا السياق، تتناول فصول الكتاب الاثنا عشر الموضوعات التالية، الفصل الأول: التواصل الاجتماعي والعقد الاجتماعي الجديد. الفصل الثاني: ترويض التنين (الليفثيان). الفصل الثالث: تحديات أمام الحق في الخصوصية. الفصل الرابع: الربط بين النكات ـ الميمات الانترنتية الساخرة والسياسة. الفصل الخامس: انعدام الثقة المتزايدة في زمن المعلومات. الفصل السادس: الشبكات الاجتماعية ــ الاقتصادية للمناسبات العامة. الفصل السابع: إعلام الأزمات والاستجابة من خلال التواصل الاجتماعي أثناء وبعد الكوارث إدارة الأزمات. الفصل الثامن: العملة الجديدة للحياة. الفصل التاسع: تمكين الحوكمة من خلال التواصل الاجتماعي. الفصل العاشر: شبكة لا نهائية، تعليم محدود. الفصل الحادي عشر: روابط مفقودة في عالم متشابك/مترابط. الفصل الثاني عشر: العالم المركب لعالم مترابط/متشابك. 

تضمنت فصول الكتاب أفكاراً كثيرة؛ لعل من أهمها ما يلي؛ 

أولاً: فرضت المنصات الرقمية عقداً اجتماعياً جديداً؛ فالعقد الاجتماعي التاريخي.. كان يقوم على علاقة مباشرة بين الدولة والمواطن، وفق مرجعية الدستور والقوانين المنظمة للحياة، ومؤسسات الدولة والحركة المواطنية في الفضاء العام. أما اليوم، فقد أصبحت المنصات الرقمية طرفاً ثالثاً.. في هذه العلاقة؛ تتوسط بين الدولة والمجتمع، وتؤثر في تشكيل الرأي العام، وصناعة الشرعية، وتحديد أولويات النقاش العام. 

ثانياً: يوجه الكتاب النظر.. إلى دور المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام والحشد المجتمعي، عبر الكليبات الرقمية والصور والبوستات النقدية الساخرة. 

ثالثاً: ويلفت الكتاب النظر إلى أن الثروة.. باتت تقدر بما يحققه الإنسان/المواطن من تأثير رقمي.

والخلاصة، تثير قراءة الكتاب.. لدى القارئ المنشغل بتحولات الواقع في الزمن الرقمي.. عدداً من الحقائق والإشكاليات، التي تستحق الالتفات ومن ثم النقاش الجدي الواسع. 

الحقيقة الأولى: أصبحت وسائل الاتصال الاجتماعي.. الصديق والرفيق للإنسان، الذي يمده بفيض من المعلومات والأفكار والاستشارات والإجابات المختلفة. 

الحقيقة الثانية: الثقة المتزايدة في قدرة تلك الوسائل.. على تأمين المطلوب بوفرة، وفوراً.. في أي وقت. 

الحقيقة الثالثة: الآفاق غير المحدودة.. التي يفتحها الفضاء الرقمي للإنسان/المواطن.. على جميع الأصعدة، وفي شتى المجالات. 

الحقيقة الرابعة: عززت وسائل الاتصال الاجتماعي والمنظومة الرقمية.. كتلة بشرية؛ غالبيتها من الشباب الذين يمثلون نحو ثلثي الكتلة السكانية في العالم.. بقدرات معرفية لا سقف لها، وبجرأة سلوكية.. تجعل منهم ذواتاً مستقلة لا مُلحقة.

كل هذه الحقائق تتم بضغطة زر. أما بالنسبة إلى الإشكاليات فهي كما يلي: 

الإشكالية الأولى: فك الارتباط بالمرجعيات التاريخية التقليدية.. بمؤسسات التنشئة والتربية والتوعية؛ الأسرية، والتعليمية، والدينية، والثقافية، والإعلامية.

الإشكالية الثانية: التوحد، شبه التام، بالتقنيات الرقمية التواصلية، ما يعزل الإنسان/المواطن عن المنظومات العلائقية المختلفة.. في المحيط المادي بفضاءاته المختلفة. إذ يكتفي الإنسان/المواطن – في الأغلب – بالحيوية والتفاعل في المجال الرقمي، وجعله مجال حرکته الرئيسي.. على حساب الفضاءات المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية المادية. 

الإشكالية الثالثة: مقابل الثقة المتزايدة في المصادر الرقمية، تتناقص – بحدة الثقة – في المصادر المرجعية التقليدية المعرفية والعلمية من جهة، والإنسانية الحية ذات الخبرة من جهة أخرى. 

وبعد، لا يدرس الكتاب وسائل التواصل الاجتماعي.. بوصفها مجرد أدوات تقنية للتواصل، وإنما بوصفها «التنين».. الذي يعيد تشكيل المجال العام لصالح المجال الرقمي، ويعيد توزيع السلطة والمعرفة، ويدفع بالمنصات الرقمية.. لتحل محل البنى السلطوية المختلفة؛ حيث يسود الإقطاع الرقمي والمواطن الخوارزمي.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة