د. نيفين مسعد
بعد انقضاء خمسة أشهر على اندلاع الجولة الثانية من الحرب مع إيران، يجد العراق نفسه في أتونها.. أكثر من أي وقت سابق. وتكفي هنا ملاحظة كيف تحوّل العراق من راعٍ للمصالحة السعودية-الإيرانية، إلى هدف لهجوم سعودي-أمريكي.. بعد هجمات تعرّضت لها السعودية، وقيل إنها انطلقت من العراق.
هذا التطور.. يُشكّل منحنى في غاية الخطورة، لأنه يوسّع من عدد الأطراف المشتبكة على الأراضي العراقية، من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وحلفائها.. لكي يضمّ إليهم السعودية، ولو صحّ ما أشار له مستشار الأمن القومي العراقي.. عن أن خلية أوكرانية ناشطة في العراق، كانت وراء مهاجمة السعودية، فهذا يؤدي لخلطٍ شديدٍ في الأوراق.
والحال كذلك، تزايد الجدل في العراق.. حول علاقة الداخل بالخارج، وهو جدل قديم/جديد. شقٌّ من هذا الجدل.. له طابع فقهي، يرتبط بمنظور كل من حوزة النجف في العراق وحوزة قم في إيران.. لموضوع ولاية الفقيه. والشق الآخر سياسي.. صحيح أنه ينبثق من سابقه، لكنه يتعلّق – أساساً – بالاختلاف حول تموضع العراق.. في إطار التفاعلات الإقليمية والدولية. فالعلاقة بين حوزتي النجف وقم.. تجمع بين صفتي التكامل والتنافس. أما التكامل، فإنه يظهر في الدور التعليمي.. الذي تقوم به كلتا الحوزتين؛ فعندما ننظر للتكوين الفقهي لكبار مراجع الشيعة، سنجد أنه توزّع على هاتين الحوزتين.. بمعنى أن هناك مَن بدأ دراسته في النجف وأكملها في قم، والعكس صحيح. وأما التنافس، فإنه يدور حول النفوذ في العالم الشيعي، وعدد المقلدين (التابعين). وبالتالي، حجم الموارد المالية (زكاة الخُمس).
ومع أن هناك تعددية في الآراء داخل حوزة قم، إلا أن النظام السياسي الإيراني يأخذ بنظرية ولاية الفقيه.. كما صاغها الإمام الخميني؛ هذه النظرية هي التي أسّست للدولة الدينية في إيران، لأنها تعطي للفقهاء صلاحيات واسعة جداً.. في السياسة، كما في الدين. مع تأكيد أن هذه الأيديولوجيا الدينية، لا تتعارض مع التعصب للقومية الفارسية. وبدورها تعرف حوزة النجف التعددية الفقهية، لكن مرجعها الأعلى السيد علي السيستاني.. يرى أن دور الفقهاء يجب أن يقتصر على الأمور الشرعية، وتَرك السياسة لأهل السياسة. ولذلك فإن تدخله في الشؤون السياسية نادر، ويكاد يكون كمثل تدخّل الجرّاح.. عند الضرورة.
وللسيد السيستاني كتاباته التفصيلية.. عن الدولة المدنية، والفصل بين السلطات، والانتخابات الدورية. وهو يؤكد السيادة الوطنية واستقلال القرارات السياسية والعسكرية، ويرفض انخراط العراق في معارك الدول الأخرى، وذلك بعكس ما تقضي به ولاية الفقيه في إيران.. تحت شعار نُصرة المستضعفين. وهذه النقطة مهمة جداً، لأنها ترتبط برفضه لفكرة وجود جماعات مسلحة موازية للجيش، وتتجاوز المصلحة الوطنية. والذي يتابع مواقفه منذ الاحتلال الأمريكي، يجد أنها ثابتة على تأكيد حصر السلاح بيد الدولة. ورغم أنه هو صاحب فتوى «الجهاد الكفائي» – التي دعت للتطوع الشعبي.. من أجل محاربة داعش في 2014 – إلا أنه عاد تأكيد حصرية السلاح بيد الدولة.. بعد أفول التنظيم. ومع تولّى علي الزيدي رئاسة الوزارة العراقية، وضع الرجل على قمة أچندته.. القيام بجمع سلاح الفصائل بحلول 30 سبتمبر كحد أقصى، مع سحب الولايات المتحدة قواتها من العراق. وتفاعلَت مع مطلب جمع السلاح.. جماعات مختلفة، وقامت فعلاً بالتنفيذ.
لكن في المقابل، رفض الاستجابة للطلب عدد آخر من الفصائل.. التي تتماهى مع التطبيق الإيراني الحرفي لنظرية ولاية الفقيه، وتُعدّ – بذلك – جزءاً من التيار المسمى «التيار الولائي». وفي تبرير الرفض.. قيل العجب العجاب. قيل – مثلاً – إن مؤسسات الدولة لا تملك من القوة.. ما يؤهلها للدفاع عن العراق، وبالتالي.. فالأجدر بالشعب أن يطالب بنزع سلاح الدولة (دفاع وداخلية)، وحصره بيد الفصائل!! كما قال أبو مهدي الجعفري، المتحدث باسم «سرايا أولياء الدم».
وهذا الشطط يتجاوز – حتى – التجربة الإيرانية، التي تجمع بين الجيش النظامي، والحرس الثوري، وقوات التعبئة. وفي سياق الشطط أيضا،ً ربطت فصائل مسلحة حصر السلاح في يد الدولة.. بظهور «الإمام المهدي»، وهو الأمر الذي وصفه حسن الشيحاني – عضو المكتب السياسي لحركة «صادقون» – بأنه ربط «غير منطقي، وغير مسؤول».
وتعرّض كل مَن أدان جرّ العراق.. لحرب لا ناقة له فيها ولا جمل، للهجوم السياسي من رافضي حصر السلاح. ونال السيد مقتدى الصدر النصيب الأكبر، بعد أن وصف – في بيانه – الفصائل المسلحة المنخرطة في الحرب، بأنها «ميليشيات منفلتة، وميليشيات وقحة». ووصل الأمر إلى حد تشبيه الصدر بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأن كليهما أدان الهجمات على الدول العربية، وطالب بحل الحشد.
وكانت العلاقة بين حوزتي النجف وكربلاء في قلب هذا الجدل؛ فهناك مَن دعا إلى تحرك مرجعية النجف – الأقدم، والأعرق تاريخاً – لتأخذ زمام المبادرة الفقهية.. بعد أن تنازل المجتمع عن هويته العقائدية، نتيجة أربعين عاماً من «غسل الأدمغة»، وسرقة «التوجيهات العقائدية من النجف وفقهائها».
أما الولائيون، فإنهم أبوا الانسياق وراء «الوطنجية».. الذين يحاولون – بكل وسيلة – عزل شيعة العراق عن شيعة إيران. وتعبير الوطنجية.. يُستخدم للسخرية من الداعين للحفاظ على المصلحة الوطنية، وعدم ارتهانها للمصلحة الإيرانية.
واتصالاً بهذا الجدل، تجدر الإشارة لواقعة خطيرة.. شهدتها مدينة كربلاء، تعكس – بوضوح – ازدراء الانتماء الوطني من الولائيين. أمر اللواء أنور النصراوي – المكلّف بتأمين المراقد المقدسة في مدينة كربلاء – بإزالة صور علّقها الحشد.. لبعض قادة «محور المقاومة» – ومنهم السيد علي خامنئي، واللواء قاسم سليماني – منعاً لتسييس زيارة الأربعين.. لمقام الإمام الحسين – وكانت على الأبواب – وهنا قامت الدنيا ولم تقعد.
أُجبِر اللواء النصراوي على الاعتذار، وأعيدت الصور لمكانها.. وزاد عددها. ووصل الأمر إلى الإساءة للعلم العراقي.. في داخل البرلمان؛ حيث تم رفع صور قادة «المحور» لأعلى.. مقابل حمل العَلم العراقي مقلوباً لأسفل. وأثار السلوك الأخير انتقادات واسعة، لكن – في حدود علمي – دون عقاب.
نفتح قوسين، لنقول إن السيد علي السيستاني – نفسه – طلب عدم تعليق صوره عند المراقد المقدسة، وفي الأماكن العامة، كما حرص – طوال الوقت – على توضيح موقف النجف من ولاية الفقيه، وعلى تثبيت مبدأ السيادة العراقية.. مع الاحتفاظ بخصوصية العلاقة مع إيران.
وهذا يمهّد لمقال الأسبوع المقبل.
نقلاً عن «الأهرام»