عمار علي حسن
(1)
من الخطأ الاعتقاد أن الإنفاق المفرط على البنية التحتية.. يحقق تنمية، في وقت يتم فيه تجاهل احتياجات الناس الملحة أو الضرورية.
إنها هنا.. تضع أثقال بنيتها التحتية هذه، فوق أعناق الناس.
(2)
في ظل حديث يتزايد عن تغيير وزاري، لا بد من وجود وزارة حقيقية، وليس مجرد ظل إداري باهت، وهذا لن يتحقق.. إلا بممارسة الوزراء – ورئيسهم – الصلاحيات كاملة.. التي أقرها الدستور.
لقد صار كثير من المصريين يسمعون عن أسماء بعض الوزراء.. وقت رحيلهم، فما أُخذ من صلاحيات الوزير.. أمر يدركه الكل، لذا لا يعول الناس عليه كصانع سياسة، أو متخذ قرار نافذ. إنما «موظف إداري كبير»، أو «كبير موظفين».. لا يشغله سوى الاستمرار، وعلاقته بالإعلام محسوبة وباهتة، لذا لا يلتفت إليه أحد.. إلا وقت الأزمات.
(3)
لا أرى في حادث الإسماعيلية فقط، ما نردده عن مأساة النقل في بلادنا، والفساد الذي قد يؤدي إلى حيازة شخص رخصة قيادة.. دون أن تكون يداه قد لمستا مقود سيارة من قبل، لكنني أرى أيضاً الوجه الآخر لـ«المعذبين في الأرض».. حسب عنوان أحد أعمال طه حسين، و«الغرابوة».. كما وصفهم يوسف إدريس في رواية «الحرام».
عمال تراحيل.. لا ينتهي وجودهم، رغم التطور الاقتصادي، والانتقال من زمن إلى زمن.. أيام أن كان الحاكم يملك البلاد ومن وما عليها – أو هكذا يتوهّم – مروراً بنظام الالتزام.. الذي كان يدفع الفلاحين – أو المزارعين – للهروب، حين يعجزون عن سداد ما عليهم.. إلى السُّخرة في بعض المشروعات؛ فالأجور الشحيحة.. تكاد ألا تملأ البطون.
تاريخ من العذاب.. لأولئك الذين تُركوا لمن يتحكم في أرزاقهم، دون تدخل لإنصاف أو عدل، بإلزام أصحاب الأعمال.. بدفع أجور مناسبة، وتوفير نقل آمن؛ فكثير من أصحاب الأعمال مظلومون أيضاً.. من الطرف الآخر، حيث التضييق والجباية.
الكل يُعصر أو يُصهر أو يُهرس، ويقدم في أكواب من ذهب.. لقلة القلة، كي تنعم وجدها بعيش رغيد.
(4)
أي تشكيل عصابي هذا، الذي يتمكن من تزوير كل هذا العدد.. من بطاقات الرقم القومي، ليشتري كل هذا الكم من خطوط الهاتف المحمول، ويفتح محافظ مالية مختلفة.. يستخدمها في غسيل الأموال؟
هل سنعرف الحقيقة لاحقاً؟.. لا شيء يبقى سرا في مصر؟
المشكلة، أن عدم المصارحة.. يعطي – دوماً – فرصاً واسعة، ليضيف الناس الكثير من مخيلاتهم.. إلى ما جرى، وفي هذا يخسر أولئك الذين يكتمون الأمر، ويظنون أنهم قد أحسنوا صنعاً.
هل إحالة جميع شركات الهواتف المحمولة الأربع – العاملة في مصر – إلى النيابة العامة، هو بداية معالجة مختلفة هذه المرة؟
(5)
أسوأ ما في جريمة التجمع الخامس، ليس القتل.. إنما الغدر. كيف يقتل صديق صديقه وزوجته وابنتيه، ويسعى لسرقته؟
أهذه صداقة حقاً؟ حتى الصداقة.. فقدت معناها في هذه الأيام التعيسة.
(6)
قبل أيام، تواصل معي المحرر الرياضي لوكالة رويترز.. ليسألني عن الأبعاد غير الرياضية، لانتقال محمد صلاح إلى نادي طرابزون. فقلت إن شعبية صلاح، قد تسهم في تعزيز التواصل بين الشعبين.. المصري والتركي. وإن علاقة الأتراك بالعرب.. امتدت قروناً طويلة، وتم قطعها لأسباب محددة.. بعد سقوط الخلافة العثمانية. والتواصل بين الجانبين ظل لفترة طويلة.. محصوراً في النخب الثقافية، وطوال الوقت – على مدار عقود من الزمن – لم يحدث هذا الاتصال الجماهيري المباشر. ربما استمر الأمر على أيدي النخبة؛ مؤرخون عرب.. مهتمون بالتاريخ العثماني. ومؤرخون أتراك.. مهتمون بالتاريخ العربي، أو التواريخ المشتركة بين الطرفين. لم يحدث شيء شعبي إلا منذ مدة.
إن انتقال صلاح إلى طرابزون.. يمثل نقطة تحول في هذا السياق، لكن كل ما مضى في الغالب.. اقتصر على النخب؛ سواء في الموسيقى، أو في المأكولات، أو في الأدب، أو في الأفكار. حالة صلاح، هي أول حالة تكسر هذه المسألة، وتصل إلى الجماهير العريضة.
شعبية صلاح، قد تدفع مزيداً من المصريين.. إلى متابعة الكرة التركية، فاليوم في مصر – خصوصاً – الكثير من الشباب الذين يحبون صلاح، كانوا ينقلون هواهم الرياضي.. إلى أي فريق يحل فيه. شجعوا فيورنتينا، ثم ليفربول، واليوم يتحدث بعضهم.. عن أنه سيتابع الدوري التركي وطرابزون.
حالة صلاح – التي كانت تساهم في رسم صورة مغايرة للعرب والمسلمين.. خلال وجوده في ليفربول – كانت مقبولة جداً، ومتفاعل معها إسلامياً؛ لا سيما أنه يُظهر دائماً تديناً معتدلاً. هذه الحالة نقلت إلى جمهور تركي أيضاً.. ليس بعيداً عن هذا القضاء العقائدي والثقافي.
إن انتقال صلاح إلى تركيا، ربما يساهم في انفتاح أهلها أكثر على الثقافة العربية، ونحن كعرب.. منفتحون على الثقافة التركية الآن، أكثر من انفتاح الأتراك على الثقافة العربية. ربما حالة صلاح – كحالة شعبوية – تشجع إلى حد ما.. على انفتاح الأتراك.
إن تأثير الظاهرة، قد يمتد إلى ما هو أبعد من كرة القدم؛ فقد لفتت (الصفقة) انتباه كتلة بشرية ضخمة من شعب مصر.. إلى الدوري التركي. وهذا أول مكسب، وقد يتَرجم في النهاية اقتصادياً.. من خلال التآلف مع السلعة التركية. وهكذا – في الوقت ذاته – قد يحدث هذا مع مصر، يعني يحدث العكس.. بانتشار الثقافة.
نقلاً عن «المصري اليوم»