تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الترامبية: الخطاب.. المسار.. المستقبل

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

  1. «الترامبية زمن عابر أم تأسيس لعصر جديد؟» 

طرحنا هذا السؤال في مقال نشر في يناير 2026، بعنوان: «حصاد السنة الأولى من العهد الترامبي الثاني»؛ خلصنا فيه.. إلى أنه بعد سنة من ولاية الرجل الثانية، «لم يعد السؤال: هل العهد الترامبي إلى زوال؟ أم أن محصلة العهدين.. سوف تؤسس لعصر جديد يقوم على الترامبية؟ وهل سيكون هذا الزمن الترامبي.. استثناءً في التاريخ؛ غير قابل للاستمرارية.. إذ يرتبط بصاحبه. أم كيف ستكون الاستمرارية؟». 

على أي حال، ليس أمامنا إلا انتظار سنتي الحكم المتبقيتان في العهد الترامبي الثاني.. للإجابة عن السؤال الرئيسي: هل الترامبية زمن عابر أم تأسيس لعصر جديد؟ 

لم يمر وقت طويل، حتى صدر كتاب يرد على هذا السؤال عنوانه: «مسار الترامبية: حديث العنصرية، والفاشية، والحرب الأهلية، وما وراء ذلك The Trajectory of Trumpism: Talking about Racism, Fascism, Civil War, and Beyond»؛ لأحد أهم الأساتذة الأمريكيين في العلوم السياسية.. المتخصصين في تحولات الدولة الأمريكية والديمقراطية والشعبوية والعدالة الاجتماعية، هو «سانفورد شرام». 

فلقد جاء كتاب «شرام»، ليقول لنا – بوضوح، وفق تحليل دقيق – أن «ترامب قد يكون شخصية عابرة، أما الترامبية.. فقد باتت ظاهرة حاضرة في بنية المجتمع الأمريكي»؛ هناك من يدعمها، وأصبح لها قاعدة اجتماعية تحملها. (نشير هنا أننا استخدمنا مبكراً في كتاباتنا تعبيري «الترامبية» والزمن «الترامبي». 

  1. «خطاب الترامبية التعبوي التضليلي» 

يجتهد «شرام» – على مدى فصول الكتاب السبعة – لا في تفسير شخصية ترامب، بل في تتبع المسار الذي سلكته الترامبية منذ ظهورها، وحتى أصبحت أحد أهم محددات الاستقطاب السياسي والانقسام والصدام، والصراع الطبقي في الولايات المتحدة. ومن ثم انشغل بالإجابة عن سؤال.. ما مستقبل الترامبية؟ وهل أصبحت تمثل تحولاً هيكلياً في الديمقراطية الأمريكية؟ لذا تأتي الفصول (257 صفحة) مباشرة في موضوعاتها، وذلك كما يلي: الفصل الأول: الترامبية: خطاب حركة. الفصل الثاني: مسار الترامبية. الفصل الثالث: العرقية. الفصل الرابع: الفاشية. الفصل الخامس: حرب أهلية. الفصل السادس: الادعاءات القضائية ما هي إلا اضطهاد للترامبية Prosecution as Persecution. الفصل السابع: المستقبلات البديلة للترامبية. 

في الفصل الأول.. الذي يعد تأسيسياً؛ لأنه تناول خطاب discourse الترامبية (استخدم تعبير خطاب فوق تداولي لوصف الخطاب الترامبي) من خلال الحركة السياسية: «الترامبية لا يمكن اختزالها في برنامج انتخابي أو حزب سياسي، بل هي منظومة خطابية كاملة تقوم على: توليد التطرف، والتضليل، وتطبيع الأكاذيب (فالكذب مبرر من قبل التابعين، لأنه في صالحهم I Lie for You & You Stand for Me)، والبلاغة التي تتلاعب بالعقول،.. إلخ. 

ويرى المؤلف أن «قوة الترامبية لا تكمن في اتساقها الفكري، بل في قدرتها على إنتاج خطاب بسيط ومباشر، يختزل القضايا المعقدة.. في شعارات سهلة التداول، ويمنح قطاعات واسعة من الأمريكيين.. شعوراً بأنهم يستعيدون أمريكا؛ التي سُلبَت منهم» لمصلحة قطاعات أخرى. وفي هذا يلتزم الخطاب روحية تعبوية وتحريضية، تستفيد – كما يشير المؤلف في الفصل الثاني – من؛ أولاً: الاستقطابات الداخلية في الحزب الجمهوري. وثانياً: من الأزمات المجتمعية.. التي ولدت قلقاً لدى الطبقة الوسطى والطبقة العاملة البيضاء. ومن ثم وجدوا في الترامبية استجابة لقلقهم من جهة، وللأزمة البنيوية المجتمعية الأمريكية من جهة أخرى. 

  1. «مآلات الترامبية: العنصرية.. الفاشية.. الحرب الأهلية.. المظلومية» 

في الفصول – من الثالث إلى السادس – يرصد المؤلف كيف أجَّجت الترامبية كلاً من؛ أولاً: العنصرية؛ إذ جعل الخطاب الترامبي.. الترامبية دافعاً للحشد السياسي للعنصر الأبيض اليميني المسيحي، في مواجهة العرقيات الأخرى. ومن ثم إعادة تشكيل التحالفات السياسية.. ليس على أساس اقتصادي فقط، بل إثني: عرقي، ولوني، وجهوي، وقومي. وثانياً: الفاشية؛ فبالرغم من أن المؤلف لا يعتبر الترامبية متطابقة بالتمام مع الفاشية الأوروبية الكلاسيكية، إلا أنه يرصد مشتركات بينهما.. مثل: تمجيد الزعيم، والطعن المستمر في المؤسسات، والتشكيك في نتائج الانتخابات، والاستقطاب الحاد، واستخدام الخطاب القومي.. بوصفه أداة للتعبئة السياسية. 

كما أجَّجت ثالثاً: حرباً أهلية؛ ليس – بالطبع – بالمعنى الحرفي المادي، وإنما بالمعنى السجالي الثقافي والديني والسياسي.. في المجال العام والإعلام. وهو ما تُجسِّده حالة الاستقطاب المجتمعي، التي تظهر في كثير من مواقف الحياة اليومية. رابعاً: المظلومية؛ ويتجلى الإحساس بالمظلومية.. من خلال الترويج بأن الدعاوى القضائية والتحقيقات البرلمانية ضد ترامب، ما هي إلا حملة اضطهاد منظمة.. حيال من يمثلهم ترامب؛ جماعته/ طائفته Trumpism as a Cult. ويجعلون من هذه الملاحقات القانونية والسياسية.. فرصة لتدعيم وحدة الترامبية من جانب أول، واستراتيجية انتخابية من جانب ثان، وتطبيع الولاء الأعمى من جانب ثالث، والدفاع عن خروج الزعيم على القانون.. مهما كلف الأمر من جانب رابع. 

  1. «سيناريوهات أربعة حول مستقبل الترامبية» 

ويختتم الفصل السابع، باستشراف مستقبل الترامبية.. بعد انتهاء العهد الترامبي الثاني. فيضع السيناريوهات التالية؛ الأول: استمرار الترامبية كتيار داخل الحزب الجمهوري. الثاني: انتظام «الترامبيون» في كيان مستقل. الثالث: اندماجها في التيار الشعبوي العريض. الرابع: انقسامها. 

وأيا ما كان السيناريو الذي ستؤول إليه الترامبية، فإن الترامبية ستظل حاضرة.. متى بقيت الأزمات والتناقضات قائمة. وإن جهداً سيبذله الترامبيون.. من أجل تطبيع الترامبية. ما يعتبره البعض خطراً داهماً لتنامي ديكتاتورية ترامب. وأن الحركة سوف تميز نفسها عن الحزب.. من خلال تبني سياسات المظلومية Grievance Politics. 

وبعد، يقدم الكتاب مادة ثرية لكل من يسعى إلى فهم الترامبية، باعتبارها ظاهرة سياسية وفكرية واجتماعية، تعكس أزمة الديمقراطيات الحديثة، وإمكانية ظهور نزعات سلطوية جديدة.. تستخدم أدوات ديمقراطية للوصول إلى السلطة.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة