تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

ذكرى «محمود درويش».. «سأختار شعبي»

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

«سنصير شعباً – إن أردنا – حين نتعلم أننا لسنا ملائكة وأن / الشر ليس من اختصاص الآخرين/ سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدس/ كلما وجد الفقر عشاءه/ سنصير شعباً حين نشتم حاجب السلطان والسلطان، دون محاكمة». «محمود درويش». 

في مثل هذا اليوم، التاسع من أغسطس من العام 2008، رحل عن عالمنا – عن سبعة وستين عاماً – الشاعر الفلسطيني «محمود درويش»، الذي يُعد واحداً من أهم مجددي الشعر العربي.. في النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن «درويش» يحب أن يوصف بشاعر المقاومة – كما جرت العادة عند تقديمه – كان يفضل أن يُسبق اسمه بكلمة «الشاعر».. وكفى. وبالقطع لم يكن ذلك رغبة منه في التنصُّل من قضيته الوطنية، بقدر ما هي الخشية من أن تُحمَّل شاعريته على وطنيته. لقد كانت شاعرية «محمود درويش».. أكبر من أن تُحصر في «المقاومة» فقط، فقد كانت عالماً رحباً يموج بالتقلبات الإبداعية. 

كان «محمود درويش» مجبراً على حمل بطاقة هوية إسرائيلية، فقد كان ذووه ممن يسمون «عرب 48»؛ الذين لم يغادروا أرضهم بعد «نكبة 48». تلك كانت هويته الرسمية المدونة، ولكنه سجَّل هويته الفعلية في قصيدة.. من أوائل إبداعات مطلع الشباب، بعنوان «بطاقة هوية». يقول في مفتتحها: «سجِّل / أنا عربي / ورقم بطاقتي خمسون ألف / وأطفالي ثمانية / وتاسعهم سيأتي بعد صيف / فهل تغضب». ويقول أيضاً: «سجل أنا عربيّ / سُلِبت كروم أجدادي / وأرضاً كنت أفلحها / أنا وجميع أولادي». 

ويختتم بمقطع: «أنا لا أكرهُ الناس/ ولا أسطو على أحدٍ/ ولكنّي.. إذا ما جعت/ آكل لحم مغتصبي/ حذار.. حذار من جوعي، ومن غضبي!».

ومن مصادفات التاريخ أيضاً، أن تتواكب ذكرى وفاة «محمود درويش»، مع ذكرى مرور أربعين عاماً على صدور أول قصائد ديوانه النثري.. «خطب الديكتاتور» (عام 1986)، ونعرض لبعض مما جاء في «خطاب جلوس الديكتاتور»، الذي يقول فيه: 

«سأختار شعبي.. سأختار أفراد شعبي / سأختاركم واحداً واحداً، من سلالة أمي ومن مذهبي / سأختاركم كي تكونوا جديرين بي / إذن، أوقفوا الآن تصفيقكم كي تكونوا جديرين بي، وبحبي / سأختار شعبي سياجاً لمملكتي، ورصيفاً لدربي /…/ سأختار من يستحق المثول أمام مدائح فكري / ومن يستحق المرور أمام حدائق قصري /…/ سأختار شعباً محباً، وصلباً وعنيداً / سأختار أصلحكم للبقاء وأنجحكم / في الدعاء لطول جلوسي / فتباً لما فات من دول.. مزقتها الزوابع / لقد ضقت ذرعاً بأمية الناس يا شعب، يا شعبي الحر / فاحرس هوائي من الفقراء، وسرب الذباب، وغيم الغبار / ونظف دروب المدائن من كل حافٍ وعارٍ وجائع /…./ ولأعترف أمامك يا أيها الشعب.. يا شعبي المنتقى بيدي / بأني الحاكم العادل / أنا الحاكم المتسامح العادل / كرهت جميع الطغاة /… / يا شعب هل كل كائن يسمى مواطن؟ / ترى هل يليق بمن هو مثلي قيادة لص وأعمى وجاهل؟/ وهل تقبلون لسيدكم أن يساوي ما بينكم أيها النبلاء وبين الرعاع اليتامى الأرامل /…/ إن أردتم نظاماً جديداً لمنع المفتن!! / إذن.. سأختار أفراد شعبي، سأختاركم واحداً واحداً / كي تكونوا جديرين بي.. وأكون جديراً بكم / سأمنحكم أن تخدموني / وأن ترفعوا صوري فوق جدرانكم / وأن تشكروني لأني رضيت بكم أمة لي.. / سأمنحكم حق أن تتملوا ملامح وجهي في كل عام جديد.. / سأمنحكم كل حق تريدون حق البكاء على.. موت قط شريد / وحق الكلام عن السيرة النبوية في كل عيد / وحق الذهاب إلى البحر في كل يوم تريدون.. / لكم أن تناموا كما تشتهون: على أي جنب تريدون.. ناموا / لكم حق أن تحلموا برضاي وعطفي.. فلا تفزعوا من أحد / سأمنحكم حقكم في الهواء.. وحقكم في الضياء وحقكم في الغناء / سأبني لكم جنة فوق أرضي كلوا ما تشاءون من طيباتي / ولا تسمعوا ما يقول ملوك الطوائف عني / وإني أحذركم من عذاب الحسد! / ولا تدخلوا في السياسة.. إلا إذا صدر الأمر عني /…./ من واجب الشعب أن يتبرأ من كل فرد نهب وغازل زوجة صاحبه أو زنى أو غصب / ومن واجب الشعب أن يرفع الأمر للحاكم المنتخب / ومن واجبي أن أوافق… من واجبي أن أعارض / فالأمر أمري والعدل عدلي والحق ملك يدي / فإما إقالته من رضاي وإما إحالته للسراي / وحق الرضا، لي أنا الحاكم المنتخب! / وحق الهوى والطرب لكم كلكم / فأنتم جماهير منتخبة! / أنا الحاكم الحر والعادل وأنتم جماهيركم الحرة العادلة /…/ من أراد التأفف خارج شعبي فليتأفف / من شاء أن يتمرد خارج شعبي فليتمرد / سنأذن للغاضبين أن يستقيلوا من الشعب.. فالشعب حر.. / ومن ليس مني ومن دولتي فهو حر../ سأختاركم واحداً واحداً مرة كل خمس سنين /.. وأنتم تزكونني مرة كل عشرين عاماً إذا لزم الأمر / أو مرة للأبد / وإن لم تريدوا بقائي، لا سمح الله / إن شئتم أن يزول البلد / أعدت إلى الشعب ما هب أو دب من سابق الشعب / كي أملك الأكثرية. والأكثرية فوضى / أترضى أخى الشعب! / ترضى بهذا المصير الحقير أترضى؟ معاذك!! / قد اخترت شعبي واختارني الآن شعبي / فسيروا في خدمتي آمنين / فطوبى لكم.. ثم طوبى لنا أجمعين». ا.هـ

التقيت بالشاعر المجدد «محمود درويش» عدة مرات.. عند صديق مشترك، من أقرب وأنبل الأصدقاء؛ وهو الراحل «عمر السراج»، المثقف الفلسطيني الكبير، عميد عائلة «السراج» الغزاوية، تلك العائلة التي لا تقل مصريتها عن فلسطينيتها. ودارت بيننا نقاشات، كشفت لي عن جوانب ملتبسة، وأوجه كثيرة لهذا الشاعر الكبير، ربما نعرض لها في سیاقات أخرى، ولكن يظل أكثرها ألقاً ووضوحاً.. هو أشعاره الإنسانية، خاصة في السنوات الأخيرة من عمره، المشوبة بنكهة غنائية ومسحة فلسفية.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة