تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

المعادلة الجديدة في الشرق الأوسط: الانتخابات والتصعيد وسياسات التوقيت

M.Adam

عمر إسماعيل

في الشرق الأوسط.. نادراً ما تأتي الأزمات كأحداث منفصلة. فهي تتشكل في أنماط متراكمة؛ سلسلة من التحذيرات والاستفزازات، والمفاوضات والحسابات السياسية.. تكشف تدريجياً عن مشهد استراتيجي أوسع.
… التحذير الأخير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، الذي دعا المواطنين الأمريكيين إلى توخي أقصى درجات الحذر، والهجوم بالطائرات المسيّرة الذي استهدف الأراضي المصرية، والحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مرحلي لنزع سلاح حركة حماس، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، ليست تطورات مستقلة عن بعضها البعض. وعند النظر إليها مجتمعة، فإنها تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة.. قد يصبح فيها التوقيت، والإدراك السياسي، وحسابات الضعف الداخلي.. عوامل لا تقل تأثيراً عن القوة العسكرية نفسها.
فلم يعد السؤال الأساسي مقتصراً على ما الذي يمكن للأطراف أن تفعله، بل متى تختار أن تفعله، ولماذا.

تحذير يتجاوز حادثة واحدة
لم يكن التحذير الأمريكي استجابة لحادثة بعينها، بل عكس تقييماً أوسع.. يرى أن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تقلباً؛ تتداخل فيها الصراعات المحلية، مع الضغوط السياسية الدولية.
وغالباً ما تكشف لغة التحذيرات الدبلوماسية.. أكثر مما تعلنه صراحة؛ فالإشارة إلى مخاطر التصعيد، وتعقيد البيئة الأمنية.. توحي بوجود مخاوف من أن تتحول التوترات القائمة، إلى أزمة أوسع.. نتيجة سوء التقدير، أو الضغوط السياسية الداخلية، أو سعي بعض الأطراف إلى استغلال لحظة سياسية حساسة.. لتحقيق مكاسب استراتيجية.
فالولايات المتحدة وإسرائيل.. تقفان على أعتاب محطات انتخابية مؤثرة، تصبح فيها السياسة الخارجية جزءاً من السجال الداخلي في واشنطن، بينما تظل قضايا الأمن في إسرائيل.. مرتبطة – ارتباطاً وثيقاً – بالعملية الانتخابية.
وفي كلتا البلدين، تتحول تطورات الشرق الأوسط بسهولة.. إلى أدوات في المنافسة السياسية.

إسرائيل… الأمن بوصفه قضية انتخابية
تتجه إسرائيل نحو الانتخابات.. في ظل مشهد سياسي منقسم، ومجتمع لا يزال يعيش تحت وطأة تداعيات الحرب. وفي مثل هذه الظروف، لا تبقى القرارات الأمنية شأناً استراتيجياً فحسب، بل تتحول إلى رموز للهوية والانتماء السياسي.
ومن هنا، فإن أي اتفاق مرحلي لنزع سلاح حماس، الذي قد يُنظر إليه نظرياً باعتباره خطوة نحو الاستقرار، يصبح موضع انقسام داخلي حاد. فبينما يراه البعض فرصة لتخفيف حدة الصراع، يعتبره آخرون تنازلاً غير مقبول.
وهكذا تتكرر معادلة مألوفة في مناطق النزاع، حيث يصبح الدفاع عن التسويات السياسية أكثر صعوبة، بينما تكتسب المواقف المتشددة حضوراً أكبر في المجال العام.
ولا يقتصر التحدي أمام صناع القرار الإسرائيليين.. على تحديد ما يخدم الأمن القومي، بل يمتد إلى كيفية تلقي الناخبين لهذه القرارات.. في ظل استقطاب سياسي حاد.

معضلة واشنطن: إظهار القوة دون الانزلاق إلى الحرب
تواجه الولايات المتحدة معضلة مشابهة.
فأي هجوم بالطائرات المسيّرة.. يرتبط بالتوترات الإقليمية، لا يُنظر إليه باعتباره حادثاً أمنياً فحسب، بل يتحول إلى قضية داخلية.. تتعلق بالمصداقية الأمريكية، والردع، والسياسة الخارجية.
وعلى الإدارة الأمريكية أن تثبت قدرتها على الرد على التهديدات، دون أن تنجر إلى مواجهة إقليمية أوسع.. قد يصعب احتواؤها.
لقد أصبح هذا التوازن – بين الردع وضبط النفس – أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

إيران… واستراتيجية استثمار التوقيت
لطالما أدركت إيران أهمية التوقيت السياسي.. في إدارة الصراعات. فقد اعتمدت استراتيجيتها الإقليمية – في كثير من الأحيان – على الضغوط المحسوبة.. أكثر من اعتمادها على المواجهة المباشرة، وذلك عبر اختبار خصومها، واستغلال الانقسامات بينهم، واستخدام حلفائها الإقليميين.. لإرسال الرسائل، مع الحفاظ على هامش من الإنكار.
وتكتسب الفترات الانتخابية أهمية خاصة، لأنها تمثل لحظات يكون فيها الخصوم أكثر انشغالاً بحساباتهم الداخلية. فالحكومات التي تستعد للانتخابات، تكون أقل ميلاً إلى اتخاذ قرارات.. تنطوي على مخاطر كبيرة، بينما ينقسم اهتمام الرأي العام، وتزداد حساسية القيادات السياسية تجاه أي تحدٍ رمزي.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الهجوم بالطائرات المسيّرة على الأراضي المصرية، باعتباره رسالة تتجاوز آثاره العسكرية المباشرة. فهو يعكس القدرة على الوصول، ويخلق حالة من عدم اليقين، ويفرض على الخصوم إعادة حساباتهم.

مصر… في قلب المعادلة
أما مصر، فتجد نفسها أمام تحدٍ أكثر تعقيداً.
فالقاهرة تؤدي – منذ سنوات – دور الوسيط، والركيزة الأساسية للاستقرار الإقليمي. غير أن موقعها الجغرافي يجعل من الصعب عليها.. البقاء بمنأى عن التوترات المحيطة بها؛ فقناة السويس، والبنية التحتية للطاقة، والسواحل الاستراتيجية، جميعها.. تجعل من مصر عنصراً محورياً في الحسابات الإقليمية.
وأي اضطراب أمني على الأراضي المصرية.. لا تتوقف تداعياته عند حدودها، بل تمتد آثاره إلى المنطقة بأسرها.
ومع استمرار الجهود الدبلوماسية، وتزايد الضغوط السياسية.. في واشنطن والقدس، تجد القاهرة نفسها في موقع بالغ الحساسية؛ فهي عنصر لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه.. أصبحت أكثر عرضة لضغوط التنافس الإقليمي.

مشهد واحد… بعناوين متعددة
إن التحذير الأمريكي، والهجمات بالطائرات المسيّرة، والانتخابات المقبلة، ليست قصصاً منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن واقع واحد؛ يتمثل في دخول الشرق الأوسط مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الحسابات الأمنية بصورة غير مسبوقة.
فالتحذير يعكس القلق الأمريكي.. من تصعيد قد يحدث في توقيت بالغ الحساسية.
والهجوم بالمسيّرات.. يكشف كيف يمكن توظيف الضغوط غير المباشرة، لتحقيق أهداف استراتيجية.
أما الانتخابات، فتُظهر مدى تأثير الحسابات الداخلية.. في رسم القرارات الأمنية والسياسية.

ليست هذه بالضرورة بداية حرب شاملة، كما أنها ليست مؤشراً على اقتراب سلام دائم. إنها مرحلة تتسم بإدارة المخاطر، والتصعيد المحدود، والمناورات الدبلوماسية، ومحاولات مستمرة.. لإعادة تشكيل موازين القوى، دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة.
فالشرق الأوسط كان دائماً رهينة العلاقة المعقدة.. بين القوة والتوقيت. والانتخابات لا توقف صراعات المنطقة، كما أن صراعات المنطقة لا تتجاهل مواسم الانتخابات.
وبين صندوق الاقتراع وساحة المعركة.. تمتد أكثر اللحظات غموضاً؛ حيث لا يحسب القادة ما يستطيعون فعله فحسب، بل ما يمكنهم تحمّل كلفته سياسياً واستراتيجياً.
وربما تكمن المعضلة الأكبر.. في أن المنطقة تبدو اليوم وكأنها تنتظر ما ستفرضه عليها الأحداث، بدلاً من أن ترسم بنفسها مسارها ومستقبلها.

شارك هذه المقالة