نبيل عبدالفتاح
التطورات العلمية والتكنولوجية الكبرى وفائقة السرعة، باتت تشكل تحديات معقدة على الأنظمة التعليمية، وسياساتها، ومناهجها.. في الدول الأكثر تقدماً في عالمنا؛ من حيث إعادة التكيف وتطوير التعليم، ومناهجه، وأيضاً ارتباطه الوثيق بأسواق العمل المتغيرة داخل كل دولة، وعلى المستوى الكوني. لا شك في أن جميع المؤشرات المتاحة في هذه اللحظة.. تشير إلى أن معدلات البطالة على المستوى العالمي ستتراوح ما بين 20% و 30%، نتيجة لحلول الروبوتات والأنظمة والبرامج التوليدية الذكية في عديد مجالات العمل والوظائف الإدارية والمكتبية والخدمية في البيع، وأيضاً في التصنيع والخدمات اللوجستية؛ وفق التقديرات المتاحة في المصادر الغربية الاقتصادية، وأيضاً ما ينقله عنها الذكاء الاصطناعي (AI)، والمقالات والتحقيقات الصحفية والتلفازية، وعلى المواقع الرقمية المتخصصة.
هذه هي المؤشرات المحتملة عن نسب البطالة، والقطاعات التي ستتأثر بها، من ناحية أنواع الوظائف، وأفول العمل البشري فيها، وهو ما ستتزايد مؤشراته ونسبه الرقمية ما قبل وما بعد نصف القرن الحادي والعشرين، مع التحول المتسارع إلى ما بعد الإنسانية. تطرح الثورة الصناعية الرابعة تطورات واسعة، في مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومعها أسئلة كبرى في مجال العلوم الاجتماعية، وسياسات التعليم.. من حيث مدى إقبال الطلاب على كليات العلوم الإنسانية، كالحقوق والآداب، والاقتصاد .. إلخ، في الدول الأكثر تقدماً، والأخطر في الدول المتوسطة، والفقيرة في جنوب العالم، التي تمددت فيها هذه الكليات، وتضخمت، ولا يجد الغالبية العظمى من خريجيها الوظائف في أسواق العمل العربية، التي باتت – منذ النصف الثاني من القرن الماضي – لا تستوعب الغالبية العظمى من هؤلاء الدارسين للعلوم الاجتماعية.
في بدايات مرحلة بناء الدولة المصرية الحديثة.. في عهدي محمد علي، وإسماعيل باشا، كان بناء نظام التعليم المدني، والبعثات إلى أوروبا – فرنسا – إحدى أدوات تكوين نخبة مدنية.. ساهمت في بناء، وتشكيل وإدارة الأجهزة الدولتية، ومشاركتها في إنتاج المعرفة الحديثة في المجتمع، في ظل المدن الحديثة شبه الكوزموبوليتانية. لعبت بعثات التعليم إلى فرنسا، ومدرسة الحقوق الفرنسية، دوراً مهماً في تكوين طبقة الأفندية من رجال القانون، ومعهم خريجو كلية الآداب، بعد نشأة الجامعة المصرية.
ارتبط التعليم العام والجامعي ومخرجاته ببناء أجهزة الدولة، بل والنخبة السياسية، ومن ثم كان خريجو كلية الحقوق، والوظائف القانونية في المحاماة والنيابة العامة والقضاء، يمثلون ويشكلون وظائف القمة، والمكانة الاجتماعية، وغيرهم من بعض أساتذة الجامعة، والمدرسين والأطباء والمهندسين في المرحلة شبه الليبرالية.
ارتبطت المكانة والوجاهة الاجتماعية بهذه التخصصات التعليمية والوظيفية. في ظل نظام يوليو 1952، في المرحلة الناصرية والتصنيع، ومشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية أصبح المهندسون، والأطباء وأساتذة الجامعات في مقدمة الوظائف، والمكانة الاجتماعية، ومن ثم التعليم في كليات الهندسة، والطب والاقتصاد والعلوم السياسية، تختار الحاصلين على أعلى الدرجات في امتحان الثانوية العامة (علمي، وأدبي)، ومن ثم التعيينات في القطاع العام وجهاز الدولة. مع المرحلة الساداتية، بدأت عمليات فك الارتباط ما بين نوعية التعليم، والمكانة والوجاهة الاجتماعية، لمصلحة الثراء، والقوة المالية رمزاً على المكانة، والوجاهة، والنفوذ، واستمرت في التمدد حتى نهاية نظام مبارك.
مع هذه التغيرات السياسية، والنيوليبرالية الرأسمالية عقب الربيع العربي، وتغير أسواق سوق العمل، ونوعية الوظائف المطلوبة، مع الثورة الرقمية، تزايدت معدلات البطالة، وتراجعت معدلات النمو الاقتصادي، وازدياد الهوة بين التعليم الجامعي الدولتي والخاص.. في العلوم الإنسانية وأسواق العمل، والأخطر تراجعت مستويات التعليم في مجال العلوم الإنسانية – الآداب والحقوق والتربية – ولم تعد هذه الكليات قادرة على التكيف مع تطورات المعرفة والعلوم الإنسانية في الجامعات الغربية، ومراكز الفكر والبحث في الفلسفة، والمدارس التاريخية والثورة الألسنية، وما بعدها في مجال اللغة، والنقد الأدبي، وأيضاً في الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية.
في كليات الحقوق تراجعت العلوم القانونية، نظراً لندرة البعثات إلى فرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا، والولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والاستثناء ربما في المغرب.. على نحو محدود، وتطور أحكام المحكمة الدستورية العليا في مصر، وانفتاحها على أحكام المبادئ في المحكمة العليا الأمريكية، وقلة قليلة جداً من رجال القانون عربياً.. هي التي تواكب التغيرات في النظم القانونية والقضائية المقارنة، وأثر التحولات في الرقمنة والذكاء الاصطناعي في المجالات القانونية المتعددة في الفقه ونظرياته والتشريع، وأيضاً في الأنظمة القضائية. تحولات النظم العربية إلى الرأسمالية النيوليبرالية.. أدت إلى تراجع المكانة والوجاهة الاجتماعية والنفوذ في المهن الطبية، والهندسة، والقانون، والدبلوماسية، وأساتذة الجامعات في العالم العربي، لمصلحة طبقة رجال الأعمال، والمسوقين والمطورين العقاريين، والمقاولين، والتجار، والكومبرادور.
من هنا، لم تعد المكانة الاجتماعية والنفوذ مرتبطين بالوظائف والمهن المتميزة علمياً.. ما بعد الاستقلال، وإنما بالسلطة المالية والاقتصادية والسلطة السياسية – أياً كانت طبيعة النظام السياسي – ومن ثم تتفكك الطبقات الوسطى العربية، ولم يعد التعليم مؤثراً في حراكها الاجتماعي، وإنما بات القوة والمكانة والوجاهة لقلة قليلة من الطبقة المترفة.. من الكومبرادور والمقاولين الكبار، وذوي السلطة والمكانة في دوائر القوة السياسية، وصنع القرارات عند القمة في النظم العربية، هذا التغير الاقتصادي النيوليبرالي.. هو ما جعل قلة القلة ترتقي لأعلى من خلال القوة المالية، أما الوظائف والمهن ذات الوجاهة.. فلم تعد إلا صدى من أصداء الماضي، ما قبل وما بعد الاستقلال. هذه المهن ستنتهى مع ثورة الروبوتات والذكاء التوليدي عالمياً، وأيضاً في بلداننا العربية، شئنا أم أبينا.. سياسياً وتعليمياً.
نقلاً عن «الأهرام»