عبدالله عبدالسلام
في عام 1453، بينما كان الجيش العثماني يحاصر القسطنطينية – عاصمة الإمبراطورية البيزنطية – ويدق أسوارها بالمدفعية، انشغل علماء الدين والمثقفون بسؤال.. اعتبروه جوهرياً: «هل الملائكة ذكور أم إناث»؟
نشأ مصطلح جدل بيزنطي.. نتيجة تلك المفارقة. شيء من هذا القبيل، يحدث عربياً في الوقت الحاضر.
العالم العربي يُعاد تشكيله، ويرسم الآخرون خرائطه. إسرائيل تُعربد في غزة ولبنان وسوريا. دول عربية عاجزة عن حماية نفسها.. من الضربات والاعتداءات. ورغم كل ذلك، ينشغل بعض المثقفين العرب بسؤال يرونه مسألة حياة أو موت: مَن يقود العرب؟
تعليقاً على حوار للسيد عمرو موسى.. مع الإعلامية لميس الحديدي، قال أكاديمي عربي بارز: إنه يحترم رأي الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، إلا أن قيادة الأمة حالياً خليجية.. حتى إشعار آخر.
بدا لي التعليق، انفصالاً عن الواقع العربي.. المأزوم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. الدول العربية كلها – وإن بدرجات متفاوتة – تفتقد عمليات بناء الإنسان.. القادر على التعامل مع مُتغيرات العالم الجديدة. دولة المؤسسات غائبة. تحقيق العدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون.. مثل العنقاء والخل الوفي. الفجوة عميقة بين الشعوب والحكومات. كل ذلك لا يهم. المهم.. من هي الدولة القائدة في هذا الزمان؟
قد تكون تلك الأهداف صعبة المنال، وليست على جدول الأولويات. لكن ماذا عن الأمن القومي العربي.. الذي تعرَّض لاختبارات خطيرة، فشل العرب في مواجهتها. الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.. وتداعياتها، أظهرت مدى هشاشة الموقف العربي. تحولنا من شريك استراتيجي في صناعة القرار، إلى طرفٍ يتلقى الضربات، وعاجزٍ عن حماية نفسه أو فرض مطالبه. ما حدث كان أشبه بزلزال.. كشف العجز الدفاعي – شبه الكامل – عن التصدي للاعتداءات، رغم إنفاق مئات المليارات على شراء الأسلحة.
ليس هذا فقط. كانت الانقسامات العربية حول التعامل مع ما يحدث.. حادة للغاية. لم تكن هناك مبادرات أو قدرة على التأثير. فأين هي الزعامة، وماذا فعلت؟.
حتى خلال المفاوضات بين أمريكا وإيران، وبين إسرائيل ولبنان، لا وجود عربي حقيقي. القضايا العربية مرفوعة من النقاش. ومع ذلك، يتردد الحديث.. عن أن العرب سيدفعون تكاليف إعادة الإعمار في إيران.
التركيز – والإلحاح – على مسألة من يقود العرب.. وسط هذا الواقع المتردي، يجد تفسيراً عند علماء اجتماع. إنه آلية دفاعية.. للهروب من مواجهة حقيقة الفشل، والعجز عن تغيير الواقع. نحاول – كعرب – أن نصنع واقعاً افتراضياً بديلاً، نملأه بأحاديث الزعامة والقيادة واللحظة. لا أجد تفسيراً مُقنعاً لمثل هذه المعارك الوهمية، بينما نُعطي ظهورنا للمعارك الحقيقية. العرب جميعاً في الهم شرق. فلماذا الاستعلاء الشخصي والوطني، وتضخيم الذات. إرادتنا ساكنة وعزيمتنا واهنة، ومع ذلك نتحدث عن المجد والزعامة.
الأمر أشبه بسيارة «عطلانة».. تحتاج «عمرة» كاملة وتجديد، وإعادة التزود بالبنزين. ورغم ذلك، البعض لا يعنيه سوى أن يقود تلك السيارة. أحاديث الزعامة.. تؤكد أن هناك عرباً يهمهم الصورة أكثر من الحقيقة، والمصالح الضيقة.. بدلاً من العمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إذا سادت تلك الرؤية، فإن السقوط – على شاكلة ما حدث للقسطنطينية – لن يكون مجرد احتمال، بل حتمية تاريخية.
نقلاً عن «المصري اليوم»