عمر إسماعيل
انفض مؤتمر المصريين بالخارج.. وبقي السؤال: أين الشراكة الحقيقية؟
بين وعود تطوير الخدمات، وتحديات التنفيذ والتمثيل، تظل مطالب المصريين بالخارج.. في انتظار آليات واضحة تُحوِّل التوصيات إلى نتائج ملموسة.
انتهت أعمال النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج، وانتهت معها الجلسات والحوارات والصور التذكارية. لكن السؤال الأهم ما زال قائمًا.. دون إجابة عملية: هل أصبح المصري في الخارج أقرب إلى الدولة بعد هذا المؤتمر؟ أم أننا ما زلنا أمام مناسبة سنوية.. يتكرر فيها الخطاب نفسه كل عام، دون تغيير جوهري في الواقع؟
لا يمكن إنكار أهمية فتح الدولة قنوات للحوار.. مع أبنائها في الخارج؛ فالمصريون بالخارج.. يمثلون ثروة بشرية وعلمية واقتصادية هائلة. كما لا يمكن تجاهل بعض الخطوات التي أُعلن عنها خلال المؤتمر؛ وعلى رأسها تطوير الخدمات القنصلية، والتوسع في الرقمنة، وتقليص مدة استخراج بعض الوثائق، وزيادة مكاتب التصديقات، والعمل على إطلاق منصات إلكترونية للخدمات.
وهذه خطوات إيجابية تستحق الترحيب، إذا تحولت إلى واقع مستدام.. يشعر المواطن بآثاره في حياته اليومية.
لكن المشكلة الأساسية.. أن نجاح المؤتمرات لا يُقاس بما يُعلَن خلالها، بل بما يتغير بعدها.
فالمؤتمر الناجح ليس ذلك الذي يجمع أكبر عدد من المسؤولين، ولا الذي يحظى بأوسع تغطية إعلامية، وإنما الذي ينجح في تحويل مطالب المواطنين.. إلى قرارات قابلة للتنفيذ، بجدول زمني واضح، وجهات مسؤولة، وآليات متابعة ومحاسبة.
وهنا يبرز السؤال الذي يتكرر مع كل نسخة من المؤتمر: أين تقرير ما تم تنفيذه من توصيات المؤتمرات السابقة؟
فمن دون نشر حصيلة واضحة.. لما تحقق وما لم يتحقق، وأسباب التعثر إن وجدت، تظل التوصيات معرضة لأن تتحول إلى قائمة أمنيات.. تتكرر من عام إلى آخر.
الخدمات القنصلية… الاختبار الحقيقي للنجاح
ربما كان أهم ما ينتظره المصريون بالخارج، ليس المزيد من المبادرات الإعلامية، وإنما حل الملفات اليومية.. التي تمس حياتهم بشكل مباشر؛ مثل تلك المتعلقة بجوازات السفر، والرقم القومي، والأوراق الرسمية، والموقف التجنيدي.
وهنا تظهر إشكالية جوهرية؛ فالمواطن المصري بالخارج.. لا يتعامل مع توزيع الاختصاصات بين الوزارات والجهات المختلفة. لا يعنيه أن هذه الخدمة.. تتبع وزارة الداخلية، أو أن تلك المعاملة ترتبط بوزارة الدفاع. بالنسبة له، هناك جهة واحدة يتعامل معها هي «الدولة المصرية».
صحيح أن وزارة الخارجية ليست الجهة المختصة بإصدار جوازات السفر، أو بطاقات الرقم القومي، أو تحديد الموقف التجنيدي.. فهذه ملفات ترتبط بجهات أخرى، لكن دور الخارجية لا ينبغي أن يقتصر على نقل الطلبات والشكاوى، بل يجب أن يمتد إلى إدارة الملف، والتنسيق الفعّال بين مختلف الجهات المعنية.
فالمشكلة ليست في معرفة صاحب الاختصاص، وإنما في غياب منظومة حكومية متكاملة، تُمكّن المواطن من الحصول على الخدمة بسهولة وسرعة.
كان من الممكن، أن يكون أحد أهم مخرجات المؤتمر.. إنشاء غرفة عمليات دائمة للمصريين بالخارج، تضم وزارات الخارجية والداخلية والدفاع والاتصالات، وغيرها من الجهات ذات الصلة.. بهدف إزالة التعارض بين الإجراءات، وتحديد مدد زمنية واضحة لإنجاز الخدمات، ونشر مؤشرات أداء قابلة للقياس.
فالمواطن لا يريد أن يعرف من المسؤول عن التأخير، بل يريد أن يحصل على الخدمة في الوقت المناسب.
ومن هذا المنطلق، يبرز ملف الهواتف المحمولة، الذي شغل اهتمام قطاع واسع من المصريين بالخارج، كنموذج واضح.. لأهمية الإصغاء الحقيقي لأولويات المواطنين. فقد كان من المتوقع أن يحظى هذا الملف بنقاش أوسع، أو توضيح رسمي.. ضمن أعمال مؤتمر مخصص للمصريين بالخارج، إلا أن غيابه عن المخرجات المعلنة.. أثار تساؤلات حول مدى ارتباط أجندة المؤتمر، بالقضايا الأكثر حضورًا في اهتمامات الجاليات المصرية.
من يمثل المصريين بالخارج؟
ومن النقاط التي تحتاج إلى مراجعة أيضًا، مسألة استخدام تعبيرات مثل «الجاليات المصرية» و«ممثلي الجاليات».
فقد أُعلن عن مشاركة أكثر من ألف شخص.. من أكثر من ثلاثين دولة، لكن السؤال المهم هو: هل يمثل هؤلاء بالفعل جميع المصريين في تلك الدول؟
في معظم دول العالم، لا توجد هيئة منتخبة.. تمثل جميع المصريين بالخارج، كما لا يوجد كيان واحد.. يمتلك تفويضًا عامًا للتحدث باسم المصريين في فرنسا أو ألمانيا أو كندا أو الولايات المتحدة.
الموجود في الواقع، هو جمعيات وروابط واتحادات، وأندية وكيانات أهلية متعددة.. لكل منها أعضاؤها ونشاطها وتأثيرها، لكنها لا تمثل بالضرورة جميع أبناء الجالية.
ولذلك، فإن الأدق.. هو القول إن المؤتمر ضم مشاركين وممثلين عن بعض الكيانات والشخصيات المصرية بالخارج، وليس بالضرورة ممثلين منتخبين عن جميع الجاليات.
وهنا تبرز الحاجة إلى إطار تمثيلي أكثر وضوحًا، يقوم على معايير معلنة، ومشاركة أوسع؛ بما يتيح للدولة شريكًا مؤسسيًا، يتمتع بشرعية تمثيلية أكثر وضوحًا ومصداقية.
وربما يكون من المفيد مستقبلًا.. التفكير في آليات استشارية أكثر انتظامًا، تسمح بمشاركة قطاعات أوسع من المصريين بالخارج؛ سواء عبر منصات رقمية، أو مجالس استشارية إقليمية، أو استطلاعات دورية للرأي.. بما يضمن أن تكون الأولويات المطروحة.. أكثر تعبيرًا عن التنوع الحقيقي للمجتمعات المصرية حول العالم.
أين الجيل الثاني والثالث والرابع؟
من الملفات التي لم تحظَ بحضور كافٍ في التوصيات النهائية، ملف الأجيال الجديدة من المصريين بالخارج.
فالجيل الثاني والثالث والرابع.. ليس مجرد امتداد للجيل الأول، بل يمثل واقعًا مختلفًا تمامًا؛ فهؤلاء وُلدوا في دول أخرى، وتعلموا داخل أنظمة تعليم مختلفة، ويحمل كثير منهم ثقافات وجنسيات متعددة.
والحفاظ على ارتباطهم بمصر.. لا يتحقق بالشعارات أو المبادرات الموسمية، بل يحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى تشمل:
برامج للتبادل الثقافي والتعليمي.
- منحًا وفرص تدريب داخل مصر.
- شبكات عالمية للشباب المصري في الخارج.
- ربط الكفاءات الشابة بالمشروعات الوطنية.
- حاضنات أعمال لرواد الأعمال من أصول مصرية.
- برامج لتعليم اللغة العربية، والتاريخ المصري.. بصورة عصرية وجاذبة.
- منصات تواصل مهنية.. تجمع الشباب المصري حول العالم، وتربطهم بفرص الاستثمار والابتكار في مصر.
لقد كان المؤتمر فرصة مناسبة لطرح مشروع وطني متكامل يستهدف هذه الأجيال، إلا أن ما ظهر في التوصيات.. بدا أقرب إلى التأكيد على مبادرات قائمة، وليس إلى تقديم رؤية مستقبلية شاملة.
مؤتمر سياسات أم مؤتمر علاقات عامة؟
يبقى السؤال الأصعب: هل أصبح مؤتمر المصريين بالخارج.. أداة لصناعة السياسات العامة، أم مناسبة لتحسين الصورة، وتعزيز التواصل الإعلامي؟
الإجابة لا تصنعها الشعارات، بل النتائج.
فإذا كان معيار النجاح هو حجم الحضور الإعلامي وعدد المشاركين، فلا شك أن المؤتمر حقق حضورًا لافتًا.
أما إذا كان المعيار هو مدى حل مشكلات المصريين بالخارج، ووجود آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة والمحاسبة، فإن الطريق لا يزال يحتاج إلى خطوات أكبر، وأكثر جرأة.
فالمؤتمر الحقيقي لا ينتهي بإعلان التوصيات، بل يبدأ بعدها.
ولكي تتحول التوصيات إلى نتائج ملموسة، يبقى المطلوب:
- إصدار تقرير سنوي معلن، عن معدلات تنفيذ التوصيات.
- نشر مؤشرات أداء واضحة للخدمات المقدمة للمصريين بالخارج.
- تحديد جهة مسؤولة عن المتابعة والتقييم.
- تعزيز الشفافية في اختيار المشاركين، وممثلي الكيانات المصرية بالخارج.
- وضع استراتيجية وطنية طويلة المدى للأجيال الجديدة.
- عقد جلسات متابعة دورية بين المؤتمرات، وليس الاكتفاء باللقاء السنوي.
- إتاحة منصة دائمة لتلقي المقترحات والشكاوى ومتابعة نتائجها بشكل معلن.
فالمصريون بالخارج لا ينتظرون مؤتمرات أكثر، بقدر ما ينتظرون نتائج أكثر. ولا يبحثون فقط عن تأكيد انتمائهم للوطن، فهم لم يتخلوا عنه يومًا، بل يتطلعون إلى شراكة حقيقية.. تجعل صوتهم مسموعًا، ومشكلاتهم محل استجابة، وخبراتهم جزءًا من عملية البناء والتنمية.
فالتاريخ لا يتذكر عدد المؤتمرات التي عُقدت، بل يتذكر ما أحدثته من أثر، وما أغلقته من ملفات، وما حققته من تغيير في حياة الناس. وهنا فقط يمكن قياس نجاح أي مؤتمر: ليس بعدد الحضور، أو حجم التغطية الإعلامية، بل بعدد الوعود التي تحولت إلى واقع، وعدد المواطنين الذين شعروا بأن أصواتهم أحدثت فرقًا حقيقيًا.
لقد نجح المؤتمر في فتح باب الحوار، لكن التحدي الحقيقي.. يبدأ الآن: كيف تتحول التوصيات إلى سياسات؟ وكيف تتحول المشاركة إلى شراكة؟ وكيف ينتقل المصريون بالخارج من موقع المستمع إلى موقع الشريك في صنع المستقبل؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد قيمة المؤتمر الحقيقية، ليس في يوم انعقاده، بل في السنوات التي تليه.