سمير مرقص
(1) «ميلاد الصالونات الثقافية ونخبتها وانطلاقة المجال العام»
تشهد مصر، في السنوات الأخيرة، تزايداً لافتاً لظاهرة الصالونات الثقافية؛ فبالرغم من الانفجار الهائل في تقنيات التواصل الاجتماعي الرقمية.. التي تمنح الملايين فرصة التعبير عن الذات، والنقاش بين الأطراف المختلفة، إلا أن المجال العام الثقافي المدني/المادي – لا الأثيري/الرقمي – قد عرف – في الآونة الأخيرة – تأسيساً لعشرات الصالونات الثقافية.. ما يعكس حيوية فكرية متجددة لدى قطاعات واسعة من النخبة المصرية، ورغبة في التواصل الإنساني الحي، وحاجة إلى تبادل الأفكار حول قضايا الوطن المتنوعة، واستعادة لقيمة الحوار البشرى، وعدم الاستسلام للانعزال في الفضاء الرقمي.
ويمثل هذا التزايد، عودة لتقليد قديم عرفته أوروبا الحديثة، وتلقفتها مصر.. مع مطلع النهضة العربية. وفي مرجعه العمدة: «التحول البنيوي للمجال العام The Structural Transformation of Public Sphere»؛ يعتبر الفيلسوف الألماني «يورجن هابرماس» (97 عاماً).. الصالونات الثقافية والمقاهي الثقافية والمنتديات النخبوية – التي تأسست في أوروبا التنويرية – هي المواضع التي شكلت ما يطلق عليه «الفضاء العام البرجوازي»، الذي استوعب الطبقة البرجوازية الأوروبية البازغة والصاعدة، التي تتمتع بالثقافة الواسعة والتعليم المتميز، وسعيهم للتفكير والتباحث حول كل ما يتعلق بالشأن العام.
وفي كتابها «جمهورية الحروف: تاريخ ثقافي للتنوير الفرنسي ــ 1994»، تشير أستاذة التاريخ الأمريكية «دينا جودمان».. إلى أن «الصالونات الثقافية لم تكن مجرد مكان «للدردشة»، بل كياناً مؤسسياً فكرياً». بلغة أخرى، كانت الصالونات الثقافية تجلياً لممارسة المواطنة الثقافية، ومختبراً للأفكار في شتى الموضوعات ومجالاً، حسب «هابرماس»، «للاستخدام العام للعقل».
في هذا الإطار، عرفت فرنسا – في القرن الثامن عشر – «صالون مدام جافرين»، وشهدت بريطانيا في مطلع القرن العشرين صالون «مجموعة بلومزبيري»؛ الذي ضم «فرجينيا وولف» و«جون ماينارد كينز»…، كذلك كان في ألمانيا صالون «فارنهاجن» الفلسفي الأدبي، الذي كان يحضره «جوته وهيكل»…، وفي إيطاليا «حركة التوحيد الإيطالية»… وتشير الدراسات أن ظاهرة الصالونات الثقافية في أوروبا، لا تزال موجودة وحاضرة إلى يومنا هذا، وإن اتخذت أشكالاً جديدة متنوعة. فلا تزال الصالونات الخاصة للنخبة موجودة، ولكن أضيف لها الصالونات.. التي تتباهى بها المؤسسات الثقافية: المكتبات العامة، والمتاحف، ودور النشر، والمراكز الثقافية،…، إلخ.
(2) «من صالونات مطلع القرن الـ20 إلى صالونات الزمن الرقمي»
عندما أخذت مصر بتجربة الصالونات الثقافية.. في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم تكن مجرد محاكاة للتجربة الأوروبية، بل استجابة للبرجوازية المصرية الوليدة.. التي أصبحت رقماً مهماً في الحياة السياسية والمدنية المصرية، من خلال مجلس شورى النواب الذي تأسس في 1866، ومؤسسات الحداثة المختلفة. تلك البرجوازية التي انفتحت على العالم ثقافياً وتعليمياً، وشغلتها قضايا كبرى.. تتعلق بالاستقلال والوطنية والنهضة والهوية. وفي هذا المقام، تأسس صالون «الأميرة نازلي فاضل»، الذي كان يرتاده زعيم الأمة سعد زغلول، والإمام الفقيه محمد عبده وقاسم أمين. وصالون «مي زيادة»، الذي كانت ترتاده نخبة فكرية وأدبية مصرية.. من وزن طه حسين، وأحمد لطفي السيد، والعقاد، والرافعي. وصالون العقاد. كان لهذه الصالونات وغيرها.. دور فاعل في إثراء الحوار الفكري والأدبي والسياسي العام. كما كانت محركاً لدينامية ثقافية مصرية مؤثرة.
ومن ثم، فإن ازدهار الصالونات الثقافية اليوم، لا يمثل مجرد استعادة لتراث ثقافي عريق، بل يعبر عن محاولة لتجديد دوره في إنتاج الأفكار، وتعزيز قيم الحوار، وبناء مجتمع أكثر انفتاحاً، وقدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة. فإضافة للقضايا الكبرى – التي تناقشها صالونات اليوم – هناك أيضاً القضايا التقنية النوعية المتنوعة، وإشكاليات التنمية، والموضوعات المتعلقة بالحياة اليومية، وعروض الكتب، والإبداعات الأدبية،…، إلخ. والمحصلة، بناء شبكات ثرية ومتنوعة بين المثقفين، وتعزيز الحوار بين التخصصات المختلفة، وإنعاش المجال العام ليلعب أدواراً متعددة ومركبة: كبنك معلومات، ومركز تفكير، ومعمل لصياغة الأفكار، ووعاء للتشبيك، ومنتدى للحوار، وحاضن لتشكيل الوعي، إلخ،…
(3) «صالونات مصر الثقافية اليوم»
في هذا الإطار، تمثل صالونات الجراح الثقافي للأستاذ الدكتور جمال مصطفى السعيد، وصالون العصار.. الذي أسسه المهندس أحمد العصار تخليداً لذكرى الفريق محمد العصار، والصالون الثقافي الذي أسسه الأستاذ الدكتور أحمد جمال الدين موسى، وصالون المركز الثقافي القبطي الذي أسسه الأنبا أرميا، وصالون مركز إبداع ببيت السحيمي، وصالونات مكتبة القاهرة الكبرى، وصالون نفرتيتي الثقافي، وصالون دار الأوبرا، وصالون بيت السناري، وصالون مرايا، وغيرها من الصالونات الثقافية؛ سعياً دؤوباً من قبل النخب المصرية.. إلى تفعيل دوائر النقاش، وتشكيل فضاءات مستقلة لإنتاج الأفكار وتداولها، في لحظة يشهد فيها المجال العام تحولات كبيرة بفعل الثورة الرقمية، وتغير أنماط التواصل.
وبعد، تظل الصالونات الثقافية عبر مسيرتها الأوروبية والمصرية التاريخية.. إلى صالونات اليوم، فكرة عصية على الانتهاء، بالرغم من منصات التواصل الرقمية المختلفة، لأنها تلبي حاجة إنسانية واجتماعية وجودية. حيث يمارس فيها المواطنون على اختلافهم – طوعاً – بحثاً عن الحقائق والحلول. إن استعادة الروح «الصالونية».. بما توفره من لقاء بين المثقفين والخبراء والأدباء والتنفيذيين والسياسيين، وبين الأجيال والتيارات المختلفة، وبين التخصصات المختلفة، وما تؤمنه من تشجيع للحوار.. رافعة لممارسة المواطنة، وماكينة إنسانية حية لتوليد الأفكار.
نقلاً عن «المصري اليوم»