عبدالله السناوي
وهو يسمع أزيز الرصاص يدوّي في أذنيه، ورائحة الدم تزكم الأنوف، وجد نفسه محمولاً على كتف والده، دون أن يكون بوسعه إدراك أنه لن يعود مرة أخرى إلى «عين كارم»، البلدة المقدسية التي وُلد فيها قبل سنتين ونصف السنة.
في الأيام الأولى من نكبة (1948)، سقطت «عين كارم» في قبضة العصابات الصهيونية.
أُجبر أهلها على النزوح القسري من بيوتهم، وحل مستوطنون مكانهم.
«سوف تكبر يا بني
وتروي لمن يرثون بنادقهم
سيرة الدم فوق الحديد».
هكذا لخّص الشاعر الفلسطيني «محمود درويش» – ابن بلدة «البروة» في الجليل الغربي – تجربة نزوح مماثلة تحت ترهيب السلاح والتقتيل، وهو في السابعة من عمره.
إنها تجربة جيل فلسطيني.. عانى «سيرة الدم فوق الحديد».
لا سامح ولا نسي، والتزم قضيته، لم يساوم ولم يهادن في أي مرحلة من حياته.
لم تغادر «عين كارم» ذاكرته، تابع صورها واستقصى أية معلومات عنها.
أدرك – مع الزمن – أنها «جنة مغتصبة»، بُنيت على سفوح التلال، وينابيع المياه في كل مكان، والزيتون واللوز والكروم في بساتينها.
البلدة نفسها.. منحت القضية الفلسطينية اثنين من أكبر مفكريها وأكثرهم تأثيراً ونفوذاً.
الأول: الدكتور «إدوارد سعيد»، صاحب كتاب «الاستشراق»، الذي قُدِّر له – من موقعه الأكاديمي في جامعة كولومبيا الأمريكية أستاذاً للنقد الأدبي المقارن – أن يطرح قضية شعبه المشرَّد.. على رأي عام غربي، لم يكن يبدي أي تعاطف معها. وقد كان الصوت الأبرز في مناهضة اتفاقية «أوسلو».. محذراً من مغبتها على مستقبل القضية كلها.
والثاني: الدكتور «أحمد صدقي الدجاني»، المفكر القومي العربي.. الذي ناهض الاتفاقية نفسها، من موقعه في عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لم تكن مصادفة أن تضم «فلسطين العربية» كلاً من «أبو سمرة» و«الدجاني».. في بنية تنظيمية واحدة، أخذت اسم «فلسطين العربية». فقد شغلت كليهما قضية الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية.. قبل قيام منظمة التحرير. وأن فلسطين قضية عربية.. بكل حساب وتحت أي ظرف.
كان شقيقه الأكبر «محمد أبو سمرة» – وكنيته «أبو ناصر» – مثله الأعلى وقدوته السياسية، وأبرز قيادات ذلك التنظيم، وأكثرهم ارتباطاً بـ«جمال عبد الناصر».
كانت «فلسطين العربية».. من أوائل المحاولات لتأسيس إطار مستقل بعد نكبة (1948)، الفكرة قبل التنظيم، الذي أُنشئ في أوائل أغسطس (1969).
برز «الدجاني» و«عبد الكريم العلمي» من أعضائها، إلى جانب «أحمد الشقيري».. أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية.
«كانت فلسطين العربية مرحلة تأسيس للهوية الحديثة»، بتوصيف «الدجاني».
وبتوصيف آخر، كانت «منظمة فلسطين العربية المدرسة الأولى.. التي خرج منها عدد من رجال منظمة التحرير الفلسطينية».
شاركت في العمل الفدائي قبل حلها.. بعد رحيل «عبد الناصر»، وأعلنت انضمامها لحركة «فتح»، لكن دورها الحقيقي – بأي حساب تاريخي منصف – يعود إلى الدور الذي لعبته نخبتها الفكرية.. في التمهيد لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية.
كانت تلك نقلة ضرورية للقضية الفلسطينية.. من قضية لاجئين، إلى قضية تحرر وطني.
في مخيمات اللجوء والنزوح، عانى الطفل الصغير وحشة التجربة؛ فقد كان يرش رأسه يومياً بمطهرات.. لدواعي النظافة.
كان ذلك ضرورياً، لكنه بدا له – في الوقت نفسه – مهيناً للغاية.
غادرت عائلته «عين كارم».. إلى رام الله، التي احتلت إثر حرب (1967).
أُخضع شقيقه «محمد».. لتدقيق أمني يومي من السلطات الإسرائيلية.
ذات يوم، عندما كان عائداً بإحدى الحافلات العامة إلى سكنه – بعد التدقيق الأمني المعتاد – رأى شابة في مقتبل العمر تساعد، بلا تأفف، سيدة طاعنة في السن لا تعرفها.. على تنظيف نفسها، فقال لنفسه: «هذه هي الزوجة التي تصلح لي».
كانت تلك الفتاة هي «إنصاف البرغوثي»، التي اشتهرت فيما بعد باسم «أم ناصر».
تزوج «صالح» شقيقتها الصغرى «إقبال البرغوثي»، التي كان يصفها الكاتب الكبير الراحل «محمد عودة».. بـ«الأم تريزا»؛ حيث تهرع دوماً إلى مد يد العون للمعوزين.
أثناء إقامة عائلة «أبو سمرة» في رام الله – قبل أن تغادرها مضطرة.. إلى العاصمة الأردنية عمان – ساعد الشقيق الأكبر على تأمين دخول مؤسس حركة «فتح» «ياسر عرفات».. إلى الأراضي المحتلة، وإخفائه عن أعين سلطات الاحتلال، حتى يتمكن من أداء مهام تتعلق بمستقبل الحركة الفدائية التي أسسها، لكنه لم ينضم إليها أبداً، فهواه ناصري، ولا يرى أملاً في استعادة فلسطين.. بعيداً عن عالمها العربي؛ خاصة مصر.
على ذات المنوال، مضى شقيقه «صالح»؛ حاور دون أن ينضم، وناهض دوماً أي توجهات.. يرى فيها شبهة تنازل عن أية حقوق مشروعة.
لم يكن على استعداد – في أي مرحلة من حياته – لأي تخلٍّ عن عروبة فلسطين، أو مساومة عليها.. بأية ذريعة.
عندما التحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، كان على موعد مع أهم أدوار حياته، اقترب من الحركة الطلابية، التي نشأت بعد نكسة (1967)، وأخذت مداها وعنفوانها في سبعينيات القرن الماضي، حتى انتفاضة الخبز (1977).
حاور واقترب من القيادات والجماعات العربية – باختلاف أوطانها – التي تشاركه الأفكار القومية نفسها.
في ذلك الوقت، كانت القاهرة ما زالت مركز التفاعلات العربية، والعاصمة المركزية للعالم العربي؛ بتعبير مؤسس جريدة «السفير» اللبنانية، الكاتب الراحل «طلال سلمان»، قبل أن تتراجع أدوارها في محيطها.
حاول – بقدر ما يستطيع – أن يبني صلات بين أصحاب الفكر الواحد.. من مختلف الأقطار العربية.
لعب دوراً جوهرياً في تأسيس منظمتين عروبيتين مؤثرتين؛ هما: «رابطة الطلاب العرب الوحدويين»، التي كانت بوتقة تعارف وحوار بين الأجيال الجديدة في العالم العربي، و«اللجنة العربية لتخليد جمال عبد الناصر»، التي أُسندت رئاستها في بدايتها إلى الراحل «حاتم صادق»،.. زوج كريمته الكبرى الدكتورة «هدى عبد الناصر».
في عام (1978)، داهمت قوة أمنية مسلحة شقته في الدقي، وقبضت على كل من فيها.. بتهمة انخراطهم في تنظيم مسلح.
كانت تلك محض أوهام مرحلة.. استبدت بها المخاوف والهواجس.
تعرّض مع رفاقه لتعذيب وحشي، قبل أن يثبت القضاء براءتهم الكاملة من التهمة الملفقة.
رغم قسوة تجربة الاعتقال والتعذيب، لم تهتز محبته لمصر قيد أنملة، ولا تراجع عن رهانه على استعادة أدوارها ذات يوم.
كان بيته في الشارقة – حيث كان يعمل – بيتاً لكل مصري يفد إليها.. من صحفيين ومثقفين وفنانين.
شاءت مقاديره أن يموت ويُدفن بالقاهرة، التي عشقها كما لم يعشقها أحد آخر، وآمن بقدرتها على النهوض من تحت الرماد أملاً في استعادة فلسطين المحتلة.
نقلاً عن «الشروق»