د. نيفين مسعد
يستوحي هذا المقال عنوانه.. من الكتاب الشهير للمؤرخ البريطاني باتريك سيل، بعنوان «الصراع على سوريا – دراسة في السياسة الدولية في الشرق الأوسط 1945-1958».. لأن ما نراه اليوم من احتدام الصراع بين القوى الإقليمية والدولية على تشكيل مستقبل لبنان، يشبه إلى حدٍّ كبير الصراع على سوريا – في الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى قيام الوحدة المصرية-السورية – وإن كان معلوماً أن الصراع على لبنان نفسه، هو ظاهرة ملازمة له,, على مدى تطوره التاريخي.
فبعد أقل من عشرة أيام على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، جاء توقيع الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة. وفي البند الأول من مذكرة التفاهم، تعهَّد الطرفان – وحلفاؤهما – بالوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات؛ بما في ذلك لبنان. وبموجب هذا النص، اعترفت الولايات المتحدة بالنفوذ الإيراني في لبنان، وأكدت – بشكل غير مباشر – مبدأ وحدة الساحات الذي تتبناه إيران.
وفي البند السادس من الإطار الثلاثي، تمت الإشارة إلى أنه لا يجوز لأي دولة أو جهة غير حكومية.. الادعاء بممارسة دور عسكري أو أمني.. يُعد غير قانوني بموجب قرارات الحكومة اللبنانية، ويتعارض مع المصالح الوطنية اللبنانية. ثم جاء البند السابع ليضيف إسرائيل إلى المشهد؛ بالقول إنه لا يجوز لأي طرف ثالث (أي بخلاف حكومتي لبنان وإسرائيل)، ممارسة الحق في الدفاع عن النفس، ومن المفهوم أن المقصود بالبندين السادس والسابع.. كل من إيران وحزب الله. ومما يدعو للسخرية، أن الولايات المتحدة وقَّعت على مذكِّرة التفاهم، وأيضاً على الإطار الثلاثي.. رغم اختلاف موقف الوثيقتين من الموضوع اللبناني، وأقرَّت بالشيء وعكسه.. في غضون أيام قليلة.
… الأخطر من الصراع على لبنان، هو الصراع داخل لبنان؛ فالمتابع للحراك السياسي اللبناني.. يجده يعبِّر عن استقطاب حاد بين القوى السياسية اللبنانية – مع بعض التعبيرات عنه في الشارع – ما زال بالإمكان احتواؤها؛ فهناك فريق يقدِّر لإيران أنها ربطت تنفيذ التزاماتها الموجودة في مذكرة التفاهم، بتنفيذ الجانب الأمريكي التزاماته، وأوَّلها وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات.. ومنها لبنان.
هذا الفريق يضم أنصار حزب الله.. بطبيعة الحال، لكنه يضم أيضاً قوى سياسية أخرى، لها ملاحظاتها على تماهي سلوك حزب الله مع المواقف الإيرانية، لكنها ترى أن لبنان يمكنه أن يحقِّق مكاسب من توظيف إيران الورقة اللبنانية في العملية التفاوضية مع الولايات المتحدة. وكمثال، عارضت حركة أمل – حليفة حزب الله – دخول الحزب إلى حرب إيران مع إسرائيل.. بعد اغتيال المرشد علي خامنئي، وشارك وزراء الحركة في جلسة الحكومة – التي أكدت حصر السلاح بيد الدولة – في مارس الماضي. لكن في الوقت نفسه.. اعتبرت الحركة – على لسان زعيمها نبيه برِّي – أن الفرصة الواقعية الوحيدة المتاحة أمام لبنان.. لإلزام إسرائيل بالانسحاب، «تكمن في المسار التفاوضي الأمريكي-اللبناني».
وفي المقابل، عارض برِّي بشدَّة الإطار الثلاثي.. لأنه «ربط الانسحاب بسلسلة من الشروط السياسية والأمنية، التي قد يستغرق تنفيذها سنوات.. من دون أي ضمانات تُلزم العدو بتنفيذ ما يترتب عليه». وختم بجملته التي انتشرت انتشاراً كبيراً «عشر مرات 17 أيار، ولا هيدا الاتفاق»، ويقصد بذلك اتفاق 17 مايو 1983 للسلام مع إسرائيل، الذي لعب برِّي نفسه – مع آخرين – دوراً مهماً في إسقاطه؛ لأنه جاء في ظل احتلال إسرائيلي، ومعارضة سورية. ويتماشى مع حركة أمل في موقفها.. بعض أبرز الأحزاب السياسية اللبنانية؛ ومنها التيار الوطني الحر، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب التوحيد، والجماعة الإسلامية.
وعلى الجانب الآخر، يوجد فريق ثانٍ.. يرى ألا حقَّ لإيران في التحدُّث دولياً باسم لبنان، وأن الإطار الثلاثي يمثِّل فرصة لاستعادة الدولة سيادتها، وإنهاء الهيمنة الإيرانية على قرار السلم والحرب في لبنان؛ فلولا تورُّط الحزب في الحرب إلى جانب إيران، لما تمدَّد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. يمثِّل هذا الفريق.. حزب الكتائب، وحزب القوات اللبنانية، وبعض المستقلين. وهنا يتضح أن الموقف من الإطار الثلاثي.. يقسم الطائفة الواحدة بين مؤيدين ومعارضين، مع رجحان واضح لكفة معارضي الإطار. كما يُلاحظ الغياب التام لتيار المستقبل عن الساحة اللبنانية.. في قضية بالغة الأهمية كهذه القضية، الأمر الذي يشكك في احتمالات إحياء دوره.. كما كان يراهن البعض.
عندما ننظر للمشهد اللبناني من خارجه، نلحظ أن القول بأن إيران تُعد الوحيدة القادرة على دفع إسرائيل للانسحاب من لبنان – عبر الضغط على الولايات المتحدة – هو نوع من التفكير الرغائبي، الذي لا ينتمي للواقع، فالعملية التفاوضية مع الولايات المتحدة.. سوف تضطر إيران لترتيب أولوياتها، وإعطاء ورقة هرمز الأولوية الأكبر. كما توجد حدود لقدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغط على إسرائيل.. في ظل تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه، أنه لا انسحاب من لبنان.. قبل نزع سلاح حزب الله، وهو نفس المعنى الذي يؤكده الإطار الثلاثي في سبعة بنود، مع إضافته عنصر «التحقُّق» من إنجاز المهمة. بما قد يؤدي لتأجيل الانسحاب للأبد.
وفي الوقت نفسه، فإن الرهان على استعادة سيادة الدولة اللبنانية لقرارها.. عبر الإطار الثلاثي، لا يلحظ أنه لا وجود للسيادة في ظل الاحتلال، وأن إسرائيل تحصل على ثمن تنازلها للجيش اللبناني عن «المنطقتين التجريبيتين» – اللتين لم تحتلهما أصلاً – بذلك النص، الذي يشير إلى أنه فور التوقيع تتم.. «صياغة اتفاق سلام وأمن شامل وكامل».
وهذا ينكأ بشدة جراح الجنوبيين.. الذين أُجبروا على النزوح، دون أفق لعودتهم. بل إن الإطار يشرعن تهجيرهم.. بادعائه أن العمليات العسكرية في لبنان «جاءت فقط نتيجة للهجمات والتهديد الذي تمثله، والنية العدائية للجماعات المسلحة.. غير التابعة للدولة»، وأن إسرائيل «لا تطمح إلى أي مكاسب إقليمية في لبنان».
في خضم هذا الصراع المتصاعد، يحتاج اللبنانيون إلى الحفاظ على تماسكهم الداخلي، وتجنُّب الاستفزازات الطائفية واستعراضات القوة؛ يحتاجون إلى التلاقي عند ربط التطبيع.. بالانسحاب، وربط حصرية السلاح في يد الدولة.. بالتحرير الكامل.
كما يحتاجون إلى الاستفادة من كل دعم إقليمي عربي وغير عربي، مع الإدراك التام لحدوده؛ فتحرير الجنوب كان ثمرة نضال كل الوطنيين اللبنانيين، وليس منحةً من الخارج.
حفظ الله لبنان.. بلد التنوّع والاستنارة، بلد الصمود والكرامة، والشعب العنيد.
نقلاً عن «الأهرام»